نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ٣٩شاء الله لخلق الخلق مفطورا على عمل الخير كالملائكة، وعندئذ لا يكون الإنسان الذي جعله خليفته في الأرض، وكلَّفه بدينه وشرائعه، وأعدَّ له الثواب والعقاب، لَكِنَّهُ خلقه مختارا في أفعاله، حَتَّى يكون جزاؤه يوم القيامة تبعا لما اختاره بنفسه في حياته(1).
وهناك أيضا علاقة محكمة بين الحرِّيَّة والإنسانيَّة، فإذا انتفت الحرِّيَّة فلا إنسانيَّة، وإنَّما تصبح عبوديَّة وحيوانيَّة، فالحرِّيَّة هي الاختيار في الفعل، والترجيح والموازنة في الحكم على الأشياء وتقديرها، والإنسانية التي تميَّز بها الإنسان عن الحيوان هي استعداده لأنْ يفكِّر ويوازن فيما يفكِّر، ثُمَّ يختار ما هو جدير بالتجسيد والعمل والتنفيذ(2) ولو لم يكن للإنسان هذا الاستعداد لكان هو والحيوان سواء.
ويخلص من ذلك إلى نتيجة، وهي أنَّ الإنسانيَّة هي الحرِّيَّة، والحرِّيَّة هي الإنسانيَّة، فالإنسان هو وحده صاحب الحرِّيَّة، وصاحب الإنسانيَّة بين الكائنات، فهو حرٌّ فيما يعتقد، وحرٌّ فيما يملك، لا ضابط لحرِّيَّته إلاَّ التقيُّد بشريعة ربِّه، وإبعاد الأذى عن نفسه وعن غيره ممَّن معه في الوجود والمجتمع(3).
إذن، فالحرِّيَّة في الإسلام ليست حرِّيَّة مطلقه ـ كما قد يفهم ـ إنَّما مُنح الفردُ حقوقه الشخصيَّة، وقُيِّد ذلك بما ألقي عليه من المسؤوليَّة، دينيَّة ودنيويَّة، ولتجعل حرِّيَّته منسجمة مع رسالته الاستخلافيَّة.
وإذا كان الإسلام قد وضع قيودا لحرِّيَّة الإنسان في إطار التشريعات السماويَّة، فهو في آن واحد محرِّر الإنسان.
(1) شلتوت، محمود، الإسلام عقيدة وشريعة (القاهرة: مطبوعات الإدارة العامَّة - 1379هـ/1959م)، ص43.
(2) البهي محَمَّد، الدين والحضارة الإنسانيَّة (الجزائر: مكتبة الشركة الجزائرية، د. ت. ط) ص165.
(3) الدريني، محَمَّد فتحي، الحقُّ ومدى سلطان الدولة في تقييده (بيروت: مؤسَّسة الرسالة، ط2، 1397هـ/1977م،) ص74.