نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)

الجزء ١ · صفحة ٨٥

المحافظة على قيمة النقود عند فقهاء الإسلام:

كما رأينا أن إصدار النقود يكون من سلطات الهيئة الحاكمة، فإنَّ فقهاء المسلمين يرون أنَّ ذلك من تمام سيادة الدولة، يقول النوويُّ:

«ويكره لغير الإمام ضرب الدراهم والدنانير، وإن كانت خالصة فَإِنَّهُ لا يؤمن فيها الغشُّ والفساد»(1).

فهو يعزي سبب ذلك إلى مظنَّة الغشِّ والفساد، غير أنَّ الضرورة الاقتصاديَّة أولى بالاعتبار، فالنقود لها أثر بالغ في التبادل لا يمكن أن تكون بيد غير سلطة الدولة، بينما يعلِّل أبو يعلى سبب اختصاص الإمام بضرب الدراهم والدنانير، بأَنَّهُ لو سمح بذلك للأفراد لاحتكروا ولأثَّروا في سير اقتصاد الأمَّة، بنقله عن الإمام أحمد قوله: «ولا يصلح ضرب الدراهم إلاَّ في دار الضرب بإذن السلطان؛ لأنَّ الناس إذا رخِّص لهم ركبوا العظائم»(2).

فهذه النصوص تؤكِّد أنَّ ضرب النقود هو من اختصاص السلطان، خوفا من استشراء الفساد والفوضى وغلقا لباب الاحتكار والتحكُّم في مصير الاقتصاد، كما أنَّ دور السلطة لا يقتصر فقط على سكِّ العملة، بل يتعدَّاه إلى المحافظة على قيمتها الشرائيَّة بمنع كلِّ ما يخفض من قيمتها.

ويوجب الفقهاء على السلطات النقديَّة المحافظة على القوَّة الشرائيَّة للنقود، ويحرمون استخدامها مَصدرًا لإيراد الدولة. ويمنعون الإضرار بالناس بإلغاء عملة سائدة وإصدار غيرها. ثُمَّ إِنَّهُم لا يُحمِّلون العملة تكاليف إصدارها، وإنَّما يتحمَّلها بيت المال(3).

يقول البهوتي: «قال الشيح: ينبغي للسلطان أن يضرب لهم فلوسا تكون

(1) النووي: المجموع، نقلا عن كمال يوسف: فقه الاقتصاد، مرجع سابق، ص388.

(2) أبو يعلى: الأحكام السلطانيَّة، نقلا عن كمال يوسف، نفس المرجع والصفحة.

(3) كمال يوسف. فقه الاقتصاد النقدي، مرجع سابق، ص380.

٧٧ / ١٧٤