نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)

الجزء ١ · صفحة ٩٥

كما سلك عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه نفس السبيل في حمايته للربذة، يقول أبو عبيد: حمى عمر لإبل الصدقة ولابن السبيل جميعا(1)، ويستدلُّ من وصيَّة عمر لعامله على الربذة أنَّه جعلها أيضا لأنعام الفقراء من المسلمين(2).

ومن خلال إجراء الرسول J وعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه نرى أنَّ ملكيَّة الأمَّة تقوم بدور رعاية مصالح الأمَّة، والوفاء بالحاجات العامَّة حيث طبيعة النشاط الاقتصادي السائد.

ب) خراج الأراضي المفتوحة عنوة:

أوَّلاً: خراج أراضي خيبر:

ذكر أبو عبيد: «وممَّن منَّ عليه النبيُّ J أهل خيبر، وإنَّما افتُتحت عنوة، فقد قسم رسول الله J أرضها ومنَّ على رجالها، وتركهم عمَّالا في الأرض معاملة بالشطر لحاجة المسلمين كانت إليهم، حَتَّى أجلاهم عمر حين استغنى الناس عنهم»(3). كانت خيبر مصدر خراج للماليَّة العامَّة في الإسلام، أي موردًا من موارد القطاع العامِّ الذي يلبِّي حاجات الأمَّة في مجال الإنفاق، منذ فتحها في عهد الرسول J ، حَتَّى عهد عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، حيث استبدل العمَّال اليهود بالعمَّال المسلمين لَمَّا تدرَّبوا، وأتقنوا فنَّ الزراعة والفلاحة، وبقيت خيبر تموِّل بيت مال المسلمين.

ومن أسباب موافقة الرسول J على الصلح الذي تقدَّم به اليهود، أنَّ الحدائق والنخيل التي كانت تحفل بها، هي في حاجة إلى الأيدي العاملة الوفيرة والمدرَّبة لضمان الإنتاج. وإن كان الأنصار أهل زراعة، فقد كانت أرضهم في حاجة إلى جهودهم كما كانوا جنودا في الجيش الإسلاميِّ(4)، ولَمَّا لغيرت الأمور في عهد عمر بن الخطَّاب، استبدل اليد العاملة، غير أنَّ تلك الأراضي بقيت تؤدِّي دررها الاقتصاديَّ كقطاع عامٍّ لتمويل بيت مال المسلمين.

ثانيا: خراج أراضي السواد:

لَمَّا تمَّ فتح أراضي العراق والشام جعلها عمر بن الخطاب فيئا على المسلمين ما تناسلوا ولم يخمِّسه، رغم معارضة بعض الصحابة على ذلك، لَكِنَّهُ حاجَّهم بأَدلَّة من القرآن، ووافقه على رأيه عليُّ بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل(5)، وقال في معرض حجَّته: «إن قسَّمت أرض العراق بعلوجها، وأرض الشام بعلوجها، وما يكون للذرِّيَّة والأرامل بهذا البلد وبغيره من أرض الشام والعراق»(6). ولذلك رأى ما يلي:

أ) توقف الأرض بعمَّالها، أي تصبح ملكا للأمَّة الإسلاميَّة عامَّة، ويوضع عليها الخراج، وفي رقاب أصحابها الجزية.

ب) يؤول ذلك الخراج ـ بالإنفاق ـ إلى مصالح المسلمين، وخاصَّة الجيوش في الثغور، فالزمن كان زمن فتوحات، والإنفاق العسكريُّ يتطلب موارد ضخمة، لضمان إدرار العطاء على الجيوش(7).

من خلال هذين النموذجين: خراج خبير الذي وضعه الرسول J ، وخراج سَوَاد العراق الذي وضعه الخليفة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، ندرك مدى أهمِّيَّة الملكيَّة العامَّة لدى الرسول J وخلفائه من بعده.

(1) أبو عببد: الأموال، مرجع سابق، ص52.

(2) انظر نصَّ الوصية فيما سبق، ص176.

(3) أبو عبيد: الأموال، مرجع سابق، ص52.

(4) قطب، إبراهيم محَمَّد: الماليَّة العامَّة في الدولة الإسلاميَّة، ص161.

(5) أبو عبيد: الأموال، مرجع سابق، ص163.

(6) أبو يوسف: الخراج، مرجع سابق، ص124 - 125.

(7) قطب، إبراهيم محَمَّد. الماليَّة العامَّة، مرجع سابق. ص163.

٨٧ / ١٧٤