نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط دار السلام)
الجزء ١ · صفحة ٩٦ج) المرافق العامَّة:
تقوم المرافق العامَّة بدور هامٍّ في الحياة الاجتماعيَّة المتمثِّلة في الوفاء بالرغبات الإنسانيَّة والمعنويَّة والمادِّيَّة، فعلى وليِّ الأمر إنشاء كلِّ مرفق يراه ضروريًّا لتوفير حياة أفضل لأفراد أمَّته، ولمساعدتهم على إدراك الغايات التي من أجلها خلقوا.
انطلاقا من غاية المرافق العامَّة نجد أنَّ الرسول J أنشأ عدَّة مرافق عند تأسيسه لدولته بالمدينة، وسنخصُّ بالذكر مرفقين هامَّين لهما أثرهما البالغ في الحياة السياسيَّة والاقتصاديَّة:
1) بناؤه للمسجد.
2) إنشاؤه للسوق.
1) بناء المسجد: عقب وصوله J إلى المدينة فكر ـ أوَّل ما فكَّر ـ في بناء مسجده ليجمع كلمة المسلمين، ويكون نقطة ارتكاز في بناء دولته الفتيَّة، فكان يقوم بدور المدرسة والمحكمة والبرلمان، إلى جانب جمعه للمسلمين خمس مرَّات في اليوم لأداء الصلوات المفروضة.
2) إنشاء السوق: وجد النبيُّ J عند هجرته إلى المدينة أنَّ اليهود يحتكرون الحياة الاقتصاديَّة، إذ كان سوقهم في بني قينقاع، فكانت لهم السيادة عليه، فمضى الرسول J إلى مكان فسيح وضرب فيه برجله، وقال: «هذا سوقكم لا تنتقص ولا يضرب عليه خراج»(1)، فقامت السوق قويَّة منظَّمة، على هدي الرسول J وتعاليمه، فأزيل تسلُّط اليهود على الأسواق واحتكارهم.
د) الوقف:
يدخل في نطاق ملكيَّة الأمَّة، وهو يشبه في غرضه وهدفه ما وُقف لجماعة المسلمين، كالأراضي التي فتحت عنوة ولم توزَّع على الغانمين، والوقف لغة: الحبس، وفي الاصطلاح الفقهيِّ: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة(2)، على خلاف بين الفقهاء لمن تنتقل إليه الملكيَّة؟ إلى الله أم للموقوف له، أم تبقغى على ملك الواقف.
والأصل في الوقف قول الرسول J لعمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ أصاب أرضا بخيبر فاستشاره في كيفيَّة استثمارها فقال: «إن شئت حبست أصلها وتصدَّقت بثمرتها»(3).
وقوله J : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاَّ من ثلاث: صدقة جارية … »(4)، والصدقة الجارية قد تكون وقفا على جهة البرِّ والمعروف. وقد أدَّى الوقف عبر التاريخ الإسلامي مهمَّة عظيمة في ميدان التضامن والتكافل الاجتماعيِّ في مختلف المجالات الإنسانيَّة، وهو نوع من أنواع أموال الأمَّة.
وقد قسَّم بعض الفقهاء المحدثين الوقف باعتبار الجهة الموقوفة له إلى قسمين: أهليٍّ وخيريٍّ.
أ) الأهلي: وقف المرء على نسبه أو ذرِّيَّته وأقاربه.
ب) الخيري: وهو الوقف الحقيقيُّ الذي حثَّ عليه الرسول، وأشار إليه في قصَّته مع عمر بن الخطاب، وهو وقف على جهة البرِّ والمعروف كالمساجد والمدارس والملاجئ والمستشفيات.
(1) عبد السميع المصري، التجارة في الإسلام (القاهرة: مكتبة وهبة، ط2، 1406هـ/1986م)، ص16.
(2) نزيه حماد: معجم المصطلحات الاقتصاديَّة، مرجع سابق، ص289.
(3) أخرجه البخاريُّ، كتاب الوصايا، الباب 28، ج5 ص399، رقم 2772 / مرجع سابق.
(4) أخرجه الترمذيُّ، مرجع سابق، كتاب الأحكام، الباب 36، في الوقف، مج3، ص660، رقم 1376