بهجة الأنوار لنور الدين السالمي محققا
الجزء ١ · صفحة ١١وهذا من تواضعه كما هو شأن العلماء العاملين. _)، قليل التعلّق بتبعاتها وشواغلها العائقة عن طريق الآخرة. كان عظيم الهيبة لا ينطق أحد في مجلسه، إلا أن يكون سائلا أو متعلما أو ذا حاجة جدّية. ولقد رأى ذات مرة خصما يتعنت خصمه وقد قهره بفضول منطقه. وكان الشيخ يحاول الصلح بينهما، فلما رأى ذلك المتعنت زَجَرَهما وقال: هَلُمَّا إلى الحكم. وضرب بعصاه أمامه، وكانت سوداء من حطب الأبنوس، فما هو إلا أن سلّم ذلك المتعنت الأمر، وصالح خصمه. فعوتب بعد ذلك فقال: إني خفت من تلك العصى السوداء. ومناقبه كثيرة العدد.
… ..كان يكثر من تلاوة هذه الآية في المحافل: ﴿ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ..الآية ﴾ الصف : 10 وغيرها من الآيات المشوقة للجهاد المرغّبة لدار المعاد.
كان ـ عفا الله عنه ـ كثير التضرع إلى الله فتراه في بعض الأحيان في مجلسه، أو في الطريق، أو في مصلاّه وقد رفع يديه إلى السماء قائلا: لبيك اللهم لبيك. ثم يبسط يديه ويقول: اللهم اجمع الشمل، وألّف بين القلوب، وأيد الكلمة. ونحو ذلك من الأدعية التي يرجو بها نظام المسلمين، وتجد ذلك في أجوبة المسائل عنه إذا تأمَّلتها.
كان كثيرا ما يقول: اختبرنا الله فوجَدَنا كاذبين(_( ) هذا من تواضعه رحمه الله وهكذا ديدن من يخشى الله يظن بنفسه التقصير، لا كالهمل من بغاث الخلق الذين يظن الواحد منهم أنه خير خلق الله وأنه ولي لله وهو عن تلك المنازل نازل والله المستعان. _). يتأوه كثيرا لما يراه في الناس من الاختلاف، وعدم الجد فيما يعود على حياتهم بالسعادة، ولما يراه من الفساد في البلاد، فتراه قطع حديثه وتنفس الصعداء قائلا: ذهب الوفاء، ذهب لدين، ذهبت المرؤة، ذهبت الغيرة، ذهبت الحَمِيَّة، طمع فينا الخصم، طُلبْنا بالمكائد، نُصب لنا الحبائل، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومن قوله:
حرب النصارى اليوم بالدواهي
فيأخذون الدار بالخدايع