بهجة الأنوار لنور الدين السالمي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١٥<115> ليس بمحال، فَإِنَّهُ يحتمل أن يَرُدَّ الله عَلَيْهِ روحه فيحسَّ ألم العذاب، ويحتمل أن يخلق الله فيه حاسَّة يحسُّ بها ألم العذاب، ويحتمل غير ذَلِكَ، وَهُوَ معنى قوله: (لوجوه تحتمل) عَلَى أَنَّهُ لم يَرِد النصُّ عَلَى أَنَّ المَيِّت يعذَّب وَهُوَ مَيِّت أي في حال مفارقة روحه للجسد.
أَمَّا الحساب فهو تمييز العمل خيرا وشرًّا ليراه من فعل
أي حساب الله لخلقه يوم القيامة إِنَّمَا هو تمييز الأعمال الحسنة من الأعمال القبيحة، فيرى الفاعل أعماله الخيريَّة وأعماله الشرِّيَّة، وليس الحساب يومئذ كحساب بَعضنا لبعض لاستلزامه التشبيه الذي يحيله العقل، ويبطله النقل، هَذَا ما عَلَيْهِ الأصحاب رَحِمَهُم اللهُ. والذي أقوله أَنَّهُ لا بأس أن يكون الحساب يوم القيامة هو الحساب المتعارف فيما بيننا ويكون المحاسِب يومئذ هو خلقا من خلقه تَعَالىَ جعله لِذَلِكَ، فلا يلزم عَلَى هَذَا المَعْنَى ما ذُكر من التشبيه، والقول به عندي أولى لأَنَّ ظواهر الآيات والروايات دَالَّة عَلَيْهِ، فلو قيل بغيره لزم صرف كثير من الآيات والروايات عَلَى خلاف ظاهرها مع إمكان الأخذ بالظاهر.
فمن تِلْكَ الآيات قَوله تَعَالىَ: ﴿يَوْمَ تَاتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾(1) فَفيِ هَذِهِ المجادلة النصُّ الصريح عَلَى ما قَدَّمتُ ذكره من بيان الحساب.
ومنها قَوله تَعَالىَ: {حَتَّى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ
(1) - … سورة النحل: 111.