بهجة الأنوار لنور الدين السالمي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١١٨<118> وعدم التعيين ليس يقدح في قولنا إِنَّ الوجود أرجح
اختلف الناس في الجَنَّة والنار هل هما مخلوقتان الآن أم لا. فذهب الجمهور مِنَّا ومِن غيرنا أَنَّهُمَا مخلوقتان الآن، وَاستَدَلُّوا بأحاديث عنه - صلى الله عليه وسلم - تَدُلُّ وجود الجَنَّة، قالوا: ومثلها في الوجود النار، إِذْ لا قائل بالفرق بينهما في ذَلِكَ. وذهب البَعض مِنَّا وكثير من غيرنا إِلىَ أَنَّهُمَا ليستا بمخلوقتين الآن، وَإِنَّمَا هما سيُخلقان بعد وقوع الفناء العامِّ. قالوا: ولو كانتا مخلوقتين الآن للزم فناؤهما لِقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلاَّ وَجْهَهُ﴾(1)؛ وهما مخلَّدان فلا يَصِحُّ أن تكونا موجودتين الآن. والأصحُّ ما عَلَيْهِ الجمهور من وجودهما الآن لِمَا ثبت بالأدلَّة القاطعة أَنَّ آدم وحوَّاء كانا في الجَنَّة وقد أهبطا منها، والقول بِأَنَّ الجَنَّة التِي كانا فيها هي غير الجَنَّة الموعود بها تكلُّفٌ لا دليل عَلَيْهِ.
والجواب عَمَّا اسْتَدَلَّ به النافون لوجودهما الآن هو أن نقول إِنَّ قَوله تَعَالىَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ … ﴾ عامٌّ يحتمل التخصيص، فالجنَّة والنار قد خصِّصا بعدم الفناء بالأدلَّة القاطعة عَلَى بقائهما أبدا، أو نقول: إِنَّ الجَنَّة والنار قابلتان للفناء بحسب ذاتهما، والقابل للفناء فانٍ في المَعْنَى، لجوازِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، والجواب الأَوَّل أظهر.
ثُمَّ اختلف القائلون بوجودهما الآن في محلِّهما الآن الذي هما فيه، فعيَّن بَعضهم المحلَّ ووقف بَعضهم عن التعيين، والوقف عن تعيين محلِّهما هو الأَولى بنا، إذ لا
(1) - … سورة القصص: 88.