بهجة الأنوار لنور الدين السالمي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٢١<121> كفَّة سَيِّئَاته دخل الجَنَّة، ومن رجحت كفَّة سيئاته عَلَى كفَّة حسناته دخل النار، ووصفوا الميزان بأوصاف لا حاجة لذكرها هنا، ورووا في ذَلِكَ أحاديث لم تثبت عندنا، وتعلَّقوا من الكِتَاب بنحو قَوله تَعَالىَ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فيِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾(1)، ونحن نقول: إِنَّ هَذِهِ الموازين المذكورة عبارة عن معنى السعادة والشقاوة، فثقل الميزان كناية عن السعادة، وخفَّته كناية عن الشقاوة، والعرب كانت تعبِّر بثقل الميزان عن علوِّ الشأن، وبخفَّته عن عكس ذَلِكَ. قال الشاعر:
لو يوضعوا أباي في ميزانهم رجحوا وشال أبوك بالميزان
وقد تعبِّر بالوزن للشيء عن العلم به، كَما في قَولِهِ تَعَالىَ: ﴿وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾(2) أي معلوم المقدار عنده تَعَالىَ.
أَمَّا الوزن المفسَّر عندنا بالعدل والإنصاف المشار إِلَيْهِ في النظم فهو ما قَوله تَعَالىَ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾(3) فالقسط بدل من الموازين لا نعت له، كما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوله تَعَالىَ: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾(4)، وَإِنَّمَا عدلنا في تفسير الميزان عن حقيقته المشهورة إِلىَ ما ذكرناه من العدل والإنصاف لأَنَّ حمله عَلَى الحقيقة المشهورة محال، ووجه ذَلِكَ أَنَّ أعمال العباد أعراض، ووزن الأعراض محال، ولذا تردَّد الخصم في حقيقة الموزون حَتَّى زعم بَعض أَنَّ الموزون هم الأشخاص،
(1) - … سورة المؤمنون: 102 - 103.
(2) - … سورة الحجر: 19.
(3) - … سورة الأنبياء: 47.
(4) - … سورة الأعراف: 8.