بهجة الأنوار لنور الدين السالمي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٣٠<130> سعيدا كان أو شقيًّا، وقالوا ينجي منها السعيد ويترك فيها الشقيُّ، وتعلَّقوا في ذَلِكَ بِقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿وَإِن مِّنكُمُ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جُثِيًّا﴾(1)، ولا تعلُّق لهم في هَذِهِ الآيَة لأَنَّ الخطاب فيها للمتقدِّم ذكرهم، ورد عَلَى سبيل الامتثال من الغيبة إِلىَ الحضور، وَذَلِكَ أَنَّهُ قدَّم ذكر المنكرين للبعث فقال: ﴿وَيَقُولُ الاِنسَانُ أ. ذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا اَوَلاَ يَذْكُرُ الاِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا؟ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثِيًّا ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ اَيُّهُمُ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عُتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذِينَ هُمُ أَوْلَى بِهَا صُلِيًّا﴾(2)، فَهَذِهِ الآيات كلُّها خطاب لمنكري البعث؛ وَكَذَلِكَ آيَة الورود، فهي كما بيَّنَّاه من أَنَّهَا خطاب لهم ورد عَلَى سبيل الالتفات، ومثل هَذَا كثير في القُرْآن، منها قَوله تَعَالىَ في خطابه لبني إسرائيل: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾(3).
ومن وجه آخر أَنَّ الورود يتصرَّف فيرد بمعنى الدخول تارة، كَقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾(4)، وبمعنى المشارفة للِشَيْءِ [تارةً] أخرى، كَقَولِهِ تَعَالىَ: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾(5)، وقول زهير:
وَلَمَّا وردن المَاء رزقا جمامه وضعنا عصا الحاضر المتخيِّم
وقال امرؤ القيس:
(1) - … سورة مريم: 71 - 72.
(2) - … سورة مريم: 66 - 69.
(3) - … سورة الأعراف: 160.
(4) - … سورة الأنبياء: 98.
(5) - … سورة القصص: 23.