بهجة الأنوار (رقن مصطفى شريفي، موافق للمطبوع الأصلي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

بهجة الأنوار لنور الدين السالمي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٣١

<131> فأوردها ماء قليلا ينسه يحاذرن عمرا صاحب الفترات

فبطل حمل الآيَة عَلَى الوجه الأَوَّل أن لو وافقناهم أَنَّ الخطاب في الآيَة للمؤمنين والكافرين جميعا من حيث إِنَّهُ يلزمهم القول بدخول الأنبياء النار مع المؤمنين، فيكون كِتَاب الله ناطقا بتكذيبهم في قَوله تَعَالىَ: ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾(1)، وقوله تَعَالىَ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾(2)، وقوله تَعَالىَ: ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبِيءَ وَالذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ﴾(3)، وذكر في آيَة أخرى قوله: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدَ اَخْزَيْتَهُ﴾(4)، فيلزمهم عَلَى مقالتهم هَذِهِ تناقض هاتين الآيتين، وكلاهما خبر لا يأتي النسخ عَلَى أحدهما، ولكنَّا لا نسلِّم أَنَّ الخطاب في الآيَة للمؤمنين والكافرين، بل لا نقول إِلاَّ أَنَّهُ متوجِّه للكافرين، فالورود عندنا هو الدخول نفسه عَلَى هَذَا التأويل.

فإن قيل: أَمَا في قَوله تَعَالىَ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جُثِيًّا﴾(5) دَلِيل عَلَى ما تعلَّقت به المرجئة.

فالجواب أَنَّ قوله: ﴿نُنَجِّي﴾ ليس فيه دَلِيل عَلَى دخولهم النار لأَنَّ التنجية تكون من الشَّيْء المخوف المترقَّب وقوعه، كقولك: نجَّيت زيدا من القتل، فَإِنَّ زيدا لم يقتل بعدُ، وَإِنَّمَا قارب ذَلِكَ الأمر الذي يترقَّب وقوعه.

وللمثبتين للورود لجميع الأُمَّة أقاويل نضرب صفحا عن ذكرها مخافة التطويل. وبالجملة

(1) - … سورة الأنبياء: 101 - 102. وَأَوَّلُ الآيَة قَوله تَعَالىَ: ﴿إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى … ﴾

(2) - … سورة مريم: 85 - 86.

(3) - … سورة التحريم: 8.

(4) - … سورة آل عمران: 192.

(5) - … سورة مريم: 72.

١٣١ / ٢٩٥