بهجة الأنوار (رقن مصطفى شريفي، موافق للمطبوع الأصلي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

بهجة الأنوار لنور الدين السالمي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٣٨

<138> خيره وشرُّه من الله تَعَالىَ لا عَلَى ما قاله الأَوَّلُونَ بل عَلَى جهة الجبر والإكراه والاضطرار للعباد إِلىَ أعمالهم، ولا قدرة للعبد في شَيْء من ذَلِكَ، ولا قصد ولا اختيار ولا إرادة. قالوا: وماذا للعبد من الأفعال وَهُوَ متصرِّف في قبضة القهر، ومصرَّف بمقتضى العلم والإرادة والمشيئة. قالوا: وقد وجدنا الله سُبحَانَهُ يقول: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَّشَآءُ وَيَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ﴾(1)، وقال: ﴿مَنْ يُّضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ﴾(2)، فمن شاء الله خلق له الخير، ومن شاء خلق له الشرَّ، فَهَذِهِ مقالتهم». انتهى.

فتلخَّص من كلامه أَنَّ الأُمَّة في القدر عَلَى ثلاثة فرق:

1 - فرقة تَعَلَّقَت بالأمر فزلُّوا، وهم الذين قالوا إِنَّ الله لم يخلق أفعال العباد، وَإِنَّمَا كان ذَلِكَ من خلق أنفسهم، فقدرتهم صالحة لإيجاد فعلهم.

2 - وفرقة تعلَّقت بالمشيئة فضلُّوا ولم يجعلوا للمكلَّف اختيارا في فعله، بل قالوا ذَلِكَ عَلَى طريق الجبر؛ فضلال أولئك من حيث نفي القدر، وضلال هَؤُلاَءِ من حيث الغلوُّ في إثباته، فهما ضدَّان، وقد تَعَلَّقَ كلٌّ منهما بآيات من القرآن نذكر كلَّ شَيْء في محلِّه إن شاء الله تَعَالىَ.

3 - وفرقة جمعت بين الأمر والمشيئة، وقالوا: أفعال العباد خلق من الله واكتساب من العبد، فهدوا إِلىَ صراط مستقيم. وعن عكرمة عن ابن عَبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنهُ وقد سئل عن القدر، فقال: «الناس فيه عَلَى ثلاث منازل: من قال إِنَّ أمر المشيئة إِلىَ العباد، وَأَنَّ الأعمال مفوَّضة إِلَيْهِم

(1) - … سورة النحل: 93.

(2) - … سورة الأعراف: 186.

١٣٨ / ٢٩٥