بهجة الأنوار لنور الدين السالمي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٠<140> قَوله تَعَالىَ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾(1).
قلنا: معنى الجعل هنا: الوصف لا الخلق، أي: ويصفون الله بما يكرهون من وجود البنات لهم. والآية ردٌّ عَلَى المشركين في زعمهم أَنَّ الملائكة بنات الله.
ومنها قَوله تَعَالىَ: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ﴾(2) أي ومن المعلوم أَنَّ العرب قد جعلوا البحيرة والسائبة، فنفى ربُّنا أن يكون هَذَا الجعل من فعله، فصحَّ أَنَّهُ من فعلهم.
قلنا: نفى ربُّنا عَزَّ وَجَلَّ جعل(3) التبحير وما بعده دينا، أي لم يشرِّع للعرب ذَلِكَ وَإِنَّمَا ابتدعوه من تلقاء أنفسهم لا لأَنَّهُمْ هم الخالقون لها صفة التبحير، فالمنفيُّ هُوَ شَرعِيَّة معتقدهم في البحيرة وما بعدها ليس إِلاَّ.
ومنها قَوله تَعَالىَ في قِصَّة يعقوب عَلَيهِ السَّلاَمُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمُ أَنفُسُكُمُ أَمْرًا﴾(4)، وقوله تَعَالىَ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾(5).
قلنا: أَمَّا تسويل النفس وتطويعها فالمراد به ترغيبها في ذَلِكَ الفعل وتزيينه لفاعله لا أَنَّهَا هي التي أوجدت فعل ذَلِكَ، فسقط تعلُّقهم بِهَذِهِ الآيات، والحمد لله.
وَمِمَّا استدلُّوا به من العقليَّات أَنَّهُم قالوا: لا تخلو أفعال العباد من أحد ثلاثة أمور، إِمَّا أن تنسب إِلَيْهِ تَعَالىَ وحده، أو تنسب إِلَيْهِ وَإِلىَ العبد معا، أو تنسب إِلىَ العبد فقط، فبطل الأَوَّل لاستلزامه الجبر الآتي بيان بطلانه فيما سيأتي إن شاء الله، وبطل الثاني لاستلزامه مشاركة الله في أفعاله، وَهُوَ تَعَالىَ منزَّه عن ذَلِكَ، فببطلان هذين الوجهين ثبت
(1) - … سورة النحل: 62.
(2) - … سورة المائدة: 103.
(3) - … فيِ الأَصْلِ: + «بان»، ولم نجد له معنى في هَذَا السياق.
(4) - … سورة يوسف: 18.
(5) - … سورة المائدة 30.