بهجة الأنوار لنور الدين السالمي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤١<141> الثالث.
قلنا: لا نسلِّم استلزام مشاركة الله في أفعاله عَلَى ثبوت الوجه الثاني، لأَنَّ لفعل العبد جهتين: جهة إيجاد، وهي الجهة التي يخرج بها فعل العبد من العدم إِلىَ الوجود؛ وبهذه الجهة تَتَعَلَّقُ قدرة الباري تَعَالىَ؛ وجهة اكتساب، وهي إضافة ذَلِكَ الفعل إِلىَ العبد، مع اختيار العبد لِذَلِكَ؛ وبهذه الجهة تَتَعَلَّقُ قدرة العبد، فالله تَعَالىَ إِنَّمَا يخلق الفعل للعبد حال اختيار العبد له، وتوجيه القدرة إِلَيْهِ لاكتسابه، فالعبد مكتسِب، وَالله تَعَالىَ موجد؛ وإذا اختلف الجهتان انتفت المشاركة، فقد سقط بحمد الله ما تَعَلَّقوا به. ولنرجع الآن إِلىَ بيان استدلالنا عَلَيْهِم.
واستدلالنا في ذَلِكَ من طريقين:
- أحدهما طريق النقل وَهُوَ المشار إِلَيْهِ بقول الناظم: (لِكُلِّ شَيْء خالق … ) إلخ البيت.
- وثانيهما طريق العقل، وَهُوَ المشار إِلَيْهِ بقوله: (لو كان خالقا سواه) إِلىَ آخر الأبيات.
أَمَّا قوله: (لكن لنا في فعلنا اكتساب) إلخ فاستدراك لِمَا قد يتوهَّم من الاستدلال عَلَى نفي خلق العبد لفعله أَنَّ الأفعال منسوبة إِلَيْهِ تَعَالىَ جبرا، فرفع ذَلِكَ التوهُّم حيث أثبت للعبد في فعله اكتسابا يثاب عَلَيْهِ، ويعاقب عَلَيْهِ، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اَكْتَسَبَتْ﴾(1)، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾(2).
ثُمَّ أخذ في ثبوت تقرير هَذَا الاكتساب بقوله: (من ثَمَّ قد نيل به … ) إلخ، أي من أجل أَنَّ الاكتساب ثابت للخلق في أفعالهم