بهجة الأنوار (رقن مصطفى شريفي، موافق للمطبوع الأصلي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

بهجة الأنوار لنور الدين السالمي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٤٢

<142> قد نالوا به أعلى الرتب، وتفاوتوا في ذَلِكَ، كلٌّ بحسب اجتهاده، ثُمَّ استثنى من جملة ما ينال بالاكتساب النبوَّات، وَصَرَّحَ بِأَنَّهَا ليس مِمَّا يكتسب لأَنَّهَا من الأشياء التي يَخُصُّ بها ربُّنا من يشاء، فيضعها حيث يشاء من غير أن يَتَقَدَّمَ للعبد اكتساب لأسبابها، وتهيُّؤ لمرتبتها، إذ لا أسباب لها حَتَّى يَصِحَّ تعاطيها بخلاف غيرها.

- فَأَمَّا استدلالنا النقليُّ فقوله تَعَالىَ: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمُ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾(1) فَدَلَّت الآيَة أَنَّ جميع ما أسرَّه العباد وما أظهروه خلقه، والإسرار والإجهار أفعال العباد، وَالله تَعَالىَ يقول: ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾، أي كيف لا يعلم ذَلِكَ وَهُوَ قد خلقه، وهل يخلق من لا يعلم. وقوله: ﴿وَمِنَ ايَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَآؤُكُم مِّن فَضْلِهِ﴾(2)، وكيف يكون الابتغاء للفضل الذي هو فعل من أفعال العباد من آياته وَهُوَ لم يخلقه ولم يدبِّره. وقوله تَعَالىَ: ﴿هُوَ الذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾(3) وَهُوَ من فعلهم كما ترى، فأضافه إِلَيْهِ. وقوله تَعَالىَ: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾(4) أي من قبل أن نخلقها، وقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾(5)، وقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾(6).

- وَأَمَّا استدلالنا العقليُّ، فهو أَنَّهُ لو كان العبد خالقا لأفعاله للزم عَلَيْهِ تعدُّد الخالقين، ولكان كلُّ من خلق شَيْئًا فهو إله ذَلِكَ الشَّيْء، فيلزم

(1) - … سورة الملك: 13 - 14.

(2) - … سورة الروم: 23.

(3) - … سورة يونس: 22.

(4) - … سورة الحديد: 22.

(5) - … سورة القمر: 49.

(6) - … سورة الأنعام: 102.

١٤٢ / ٢٩٥