بهجة الأنوار لنور الدين السالمي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٤٤<144> أولئك.
منها قَوله تَعَالىَ: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾(1) قالوا: فالضحك والبكاء من أفعالنا قد أضافهما الله تَعَالىَ إِلىَ نفسه كما أضاف الإماتة والإحياء، فليس لنا فيهما تصرُّف. فَلَمَّا أضافهما تَعَالىَ إِلىَ نفسه لكونهما خلقا له لا لنا وَإِنَّمَا لنا من ذَلِكَ الاكتساب المناط بالاختيار، فالأفعال خلق منه والاكتساب مِنَّا، وخلقه للأفعال لا يستلزم الجبريَّة كما سيأتي بيانه.
ومنها قَوله تَعَالىَ: ﴿فَأَنَّى تُوفَكُونَ﴾(2)، وقوله تَعَالىَ: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾(3)، قالوا: فمن يؤفكهم ومن يصرفهم إِلاَّ الله. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَنْ يُّضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ﴾(4) وقوله: ﴿مَنْ يَّهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُّضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾(5).
والجواب عن هَذِهِ الآيات كُلِّهَا هو عين الجواب عن الآيَة الأولى.
ومنها قَوله تَعَالىَ: ﴿وَلَوْ شِئْنَا ءَلاَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾(6).
قلنا: لا تعلُّق لكم في هَذِهِ الآيَة ولا في شَيْء من نظائرها، لأَنَّهَا أخبار عن نفوذ قدرته تَعَالىَ وتأثير إرادته، أي فلو شاء أن يفعل لهم الهداية لفعل لهم ذَلِكَ لأَنَّهُمْ لا يعجزونه، لَكِن اقتضت حكمته تخييرهم بين الهداية والضلالة، وقد جعل لهم قدرة صالحة لاكتساب أيِّ واحد شاؤوا فلا جبر.
وإذا عرفت سقوط تعلُّقهم بِهَذِهِ الآيات فارجع إِلىَ الوقوف عَلَى الاحتجاج عَلَيْهِم، وبيان ما يُؤَدِّي إِلَيْهِ مذهبهم، فاعلم أَنَّ الاحتجاج عَلَيْهِم من الكِتَاب العزيز
(1) - … سورة النجم: 43 - 44.
(2) - … سورة الأنعام: 95، سورة يونس: 34. سورة فاطر: 3. سورة غافر: 62.
(3) - … سورة يونس: 32. سورة الزمر: 6.
(4) - … سورة الأعراف: 186.
(5) - … سورة الكهف: 17.
(6) - … سورة السجدة: 13.