بهجة الأنوار لنور الدين السالمي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٦<36> وثانيها: أَنَّهُ إذا كان في الرأي الذي يرى أَنَّهُ أبعد من الأَدِلَّة مخالفة لكافرٍ، قال: يجوز له ترك ما هو الأعدل في نظره، والأخذ بما هو أهزل، فيخالف الكافر في ذَلِكَ، كان الكافر مشركا أو فاسقا. ونصب لِلأَوَّلِ دَلِيلا: يهوديٌّ مَرَّ عَلَى رَسُول اللهِ (ص) وأصحابُه واقفون عند دفن مَيِّت، فقال اليهوديُّ: هكذا تفعل أحبارنا، قال: فقعد رَسُول اللهِ (ص)، وأمر أصحابه بالقعود مخالفة لليهود. ونصب للثاني دَلِيلا: ما روي أَنَّ جابر بن زيد رَضِيَ اللهُ عَنهُ خالف الحسن البصريَّ حين قال له، وقد حضر معه في مرضه الذي مات فيه: قل يا جابر: لا إله إِلاَّ الله، فأمسك جابر مع قدرته عَلَى النطق مخافة أن يقال: تبع الحسنَ في مذهبه.
ويبحث فيه بِأَنَّ هَذَا كلَّه خلاف ما عَلَيْهِ القاعدة، فَإِنَّ القاعدة هي أَنَّهُ لا يجوز للمجتهد أن يخالف ما رآه أَنَّهُ هو الحقُّ في نظره، وَأَنَّ ما عداه خلاف الحقِّ في نظره. وقعودُه (ص)، وإمساك جابر عن القول ليْسَا حرامًا قبل ذَلِكَ.
وثالثها: أَنَّهُ إذا كان في الرأي الذي يرى أَنَّهُ الأهزل في نظره نوع زهد وتنزُّه، وَفيِ الرأي الذي يرى أَنَّهُ الأرجح والأعدل ترك لِذَلِكَ التنزُّه والورع، قال: فهاهنا يجوز له أن يترك ما يرى أَنَّهُ الأعدل فيأخذ بما في نظره أَنَّهُ الأهزل، وضرب لِذَلِكَ