بهجة الأنوار لنور الدين السالمي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٧<37> مثلا بمسألة تحليل السباع وتحريمها، عَلَى أَنَّهُ قد ورد النهي من الشارع عن أكلها، وقد اختلف العلماء في تأويل هَذَا النهي، فذهب بَعضهم إِلىَ أَنَّ هَذَا النهي للتحريم فحرَّم أكل السباع لِذَلِكَ. وذهب آخرون منهم إمام المذهب أبو سعيد محَمَّد بن سعيد الكدمي إِلىَ حمل هَذَا النهي عَلَى الكراهيَّة والتنزُّه، فأجازوا أكل لحوم السباع وقالوا فيها بالتكريه، فإذا رأى المجتهد جواز أكلها، وَأَنَّ هَذَا النهي للكراهيَّة كما عَلَيْهِ هَذَا الإمام رضوان الله عَلَيْهِ كان جائزا له أن يتمسَّك بما رأى، فيأكل، وأن يدَع أكلها تنزُّها لِمَا في أكلها من الكراهيَّة، هَذَا في الحكم الذي يَخُصُّه بنفسه، أَمَّا إذا حكَّمه غيرُه ووليَ الحكومة في ذَلِكَ وجب عَلَيْهِ أن يأخذ بما يرى أَنَّهُ الأقرب إِلىَ الصواب. مثال ذَلِكَ: إذا تخاصم إِلَيْهِ رجلان، اصطاد أحدهما سبعا فأطلقه منه الآخر، وطلب المصطاد حقَّه من الذي أطلق سبُعه كان عَلَى هَذَا الحاكم أن يحكم لهذا المصطاد عَلَى هَذَا الذي أطلقه بضمان سبُعه.
ويُبحث فيه بِأَنَّ ما ذكر من جواز الترك للأكل ليس من هَذَا الباب الذي نَحْنُ بصدده فإن ترك هَذَا المجتهد أكل هَذِهِ السباع إِنَّمَا لامتثال النهي الوارد عن الشارع فلا يلزم من الامتناع عن أكلها القول بِأَنَّ أكلها حرام. ألا ترى أَنَّهُ حين صار حاكما وجب عَلَيْهِ الأخذ بما رأى أَنَّهُ الأرجح في نظره