بهجة الأنوار (رقن مصطفى شريفي، موافق للمطبوع الأصلي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

بهجة الأنوار لنور الدين السالمي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٩

<39> جواز الأمرين. هَذَا كلُّه إذا لم يكن لهذا الضعيف قدرة عَلَى معرفة الأعدل، وكانت المسألة مِمَّا وجد الاختلاف فيها، أَمَّا إذا شاء العمل بِشَيْءٍ لم يوجد في بيان حكمه شَيْء عن العلماء فهاهنا يجب عَلَيْهِ مشاورة أهل العلم في ذَلِكَ، ولا يجوز له أن يعمل بهوى نفسه.

وذهب آخرون إِلىَ أَنَّهُ يجب عَلَى هَذَا الضعيف إذا شاء العمل بما يختلف فيه أن يشاور من قدر عَلَى مشورته من الفقهاء، وأن يستعينه في طلب الأعدل من الأقوال. والدليل عَلَى ذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلىَ الرَّسُولِ وَإِلىَ أُوْلِي الاَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾(1)، لأَنَّ الاستنباط لا يكون إِلاَّ من الفقهاء العلماء به، وقد أمر الضعفاء بردِّ الأمر فيه إِلَيْهِم وأخذ فيه بقولهم، فهم الحُجَّة فيه لهم وَعَلَيْهِ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيضًا قَوله تَعَالىَ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾(2).

أقول: وَهَذَا المذهب أقوى دَلِيلا وأقوم سبيلا من الذي قبله لِهَذِهِ الأَدِلَّة، وَلِمَا في مشورة العالم من إمكان الاطِّلاَع عَلَى دَلِيل القول الذي يرشده عَلَيْهِ ويأمره بالأخذ به، فيكون مع ذَلِكَ أخذا بالدليل الذي سمعه، فينزل في وجوه المشاورة للعالم عند وجوده منزلة القادر عَلَى الاجتهاد، ولا يخفى أَنَّ حكم من كان مجتهدا ولم يطَّلع عَلَى الأَدِلَّة في شَيْء من الأحكام أَنَّ حكمه في ذَلِكَ حكم الضعيف، لأَنَّهُ في ذَلِكَ الحكم ضعيف أَيضًا بناء عَلَى القول

(1) - … سورة النساء: 83.

(2) - … سورة النحل: 43.

٣٩ / ٢٩٥