بهجة الأنوار (رقن مصطفى شريفي، موافق للمطبوع الأصلي) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

بهجة الأنوار لنور الدين السالمي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٩٢

<92> في معنى الآيَة حَتَّى افتخر بَعض متأخِّريهم بِذَلِكَ فرحا بما لديه فقال:

لا تدرك الأبصار أكبر حجَّة لمقالهم معنى لها ما ألطفه

يدريه مَن خَبَر العلوم وراضها كابن الخطيب إمام أهل المعرفه

وأراد بابن الخطيب الفخر الرازي.

- ومنها قَوله تَعَالىَ لكليمه موسى عَلَيهِ السَّلاَمُ: ﴿لن تراني﴾(1) حين قال له: ﴿رَبِّ أرني أنظر اِليكَ﴾، فلو كانت الرؤية جائزة في حقِّه تَعَالىَ لَمَا علَّقها بالمستحيل في جوابه لكليمه عَلَيهِ السَّلاَمُ، وَذَلِكَ قَوله تَعَالىَ: ﴿ولكنُ انظُرِ اِلىَ الجبل فإِنِ اسْتَقَرَّ مكانه فسوف تراني﴾ فعلَّق الرؤية عَلَى استقرار الجبل، واستقرار الجبل في علمه تَعَالىَ محال، والمعلَّق عَلَى المحال محال مثله، ألا ترى أَنَّ أحدنا يقول: آتيك إذا شاب الغراب، أي ابيضَّ شعره، وابيضاض شعر الغراب محال، فالإتيان محال مثله لتعلُّقه به.

قالوا: استقرار الجبل ممكن في نفسه، والمعلَّق بالممكن ممكن مثله.

قلنا: إمكانه في نفسه إِنَّمَا هو بحسب جهلنا بحقائق الأشياء، أَمَّا عند من علم الحقائق فاستقراره محال، فظهر أَنَّ الاستقرار ليس بممكن في نفسه، وَإِنَّمَا كان إمكانه بالنظر إِلىَ عدم اطِّلاعنا عَلَى الحقائق، والربُّ تَعَالىَ عالم بها وبعدم استقرار الجبل، وعلَّق وقوع الرؤية عَلَيْهِ، فصحَّ ما قلناه والحمد لله.

ومن يَدِنْ بها بكفر النِّعَمِ فاحكم له، والشركِ إن يجسِّمِ

كَأَنْ يقول: يدُه مثل يدي

(1) - … سورة الأعراف: 143. والآيَة بتمامها: ﴿وَلَمَّا جاء موسى لميقاتنا وكلَّمه ربُّه قال رَبِّ أرني أنظر اِليكَ قال لن تراني ولكنُ انظُرِ اِلىَ الجبل فإِنِ اسْتَقَرَّ مكانه فسوف تراني فَلَمَّا تجلَّى ربُّه للجبل جعله دكًّا وخرَّ موسى صَعِقًا فَلَمَّآ أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنآ أَوَّل المؤمنين﴾

٩٢ / ٢٩٥