منهج الشرح عند الشيخ أطفيش من خلال كتابه "إيضاح الدليل إلى علم الخليل"
الجزء ١ · صفحة ٤١٤لا تدلّ على الصّعوبة بقدر ما تدلّ على أهمّيّة المشروح، بل كثيرًا ما رفعت الشّروح والحواشي المتون إلى مراتب عالية. وهذا كلّه جعل "الشّيخ أطفيّش" يعلّق عليها، ويقدّم لنا المفاهيم العروضيّة في أوضح صورة وأبسط وجه؛ لتكون في متناول المبتدئين للفهم والمذاكرة، والمتمرّسين للتبّصر والاستئناس.
هذا التّلاقح الأندلسيّ المصريّ الجزائريّ كشف لنا عن فكر منهجيّ ضارب في أصول النّظريّات العلميّة الحديثة، مبنيًّا في أساسه على تحديد المفاهيم والمصطلحات العروضيّة والنّحويّة والصّرفيّة والبلاغيّة والفقهيّة والكلاميّة كلّها بدون استثناء _لأنّها مفاتيح العلوم_، وعلى نقد الآراء وتمحيصها، والتّعقيب عليها بشكل منهجيّ واضح ودقيق.
ولم يجد "الشّيخ أطفيّش" بعد ذلك من ضرورة في أن يضع في العروض مصنّفًا آخر؛ لوضوح ما جاء في تعليقاته.
لهذا نظنّ أنّه لولا تلك المسحة من السّهولة والبساطة والوضوح والعمق التي تبدو على ملامح كتاب "إيضاح الدّليل" لكان له شأن آخر عند "الشّيخ" أو عند تلاميذه من بعده، وفي مجال الدّرس العروضيّ التّعليميّ على العموم. ممّا يظهر لنا في غير إبهام أنّ الكتاب قد بلغ الهدف الذي كان قد حدّده "الشّيخ" من خلال تعليقاته.
I- منهج "الشّيخ أطفيّش" في شرحه:
1 - المنهج الفني:
أ- عنوان الكتاب:
إنّ عنوان الكتاب هو "إيضاح الدّليل إلى علم الخليل"(1)، وقد أورده بهذا العنوان "خير الدِّين الزّركليّ" في "الأعلام"، نقلاً عن "الشّيخ إبراهيم" ابن أخي "الشّيخ أطفيّش"(2).
وأمّا تبويب مادّة الكتاب فلا يمكننا القول بأنّ "الشّيخ أطفيّش" كانت له الحريّة المطلقة في اختيار طريقة عرض عناصر المادّة العروضيّة، بل إنّ تقسيم عناصرها جاء مطابقًا لما قد رسمه الشّارح "أبو زكريّا الأنصاريّ" سابقًا، وهذا الأخير مقيّد بما جاء في المنظومة الخزرجيّة.
ورغم ذلك فلم يمنعه العقد المبرم مع "أبي زكريّا الأنصاريّ"، ومع "الخزرجيّ" من أن يطوِّف بقارئه دون تطويل ولا تمحّل، أو يقطف له من رياض العَروض زهورًا، عطرها اللّمحة الدّالة، والمنهل القريب، والشّاهد الواضح.
فكان له فضل توضيح كثير من المصطلحات، وبيان الدّلالات اللّغويّة، والمسائل العروضيّة، والأوجه النّحويّة، والنّكت البلاغيّة، والتّمثيل لما يستوجب ذلك، والفوائد التي يحيل عليها متى
(1) - لقد ورد في خطبة الكتاب: «وبعد، فهذه حواشٍ موجزة على شرح الخزرجيّة، الذي هو للعلاّمة أبي يحيى زكريّا الأنصاريّ … ». إيضاح الدّليل: 2.
(2) - ينظر: الأعلام: 7/ 156 - 157. وينظر أيضًا: رحلة القطب: امحمّد بن يوسف بن عيسى أطفيّش، دراسة وتحقيق: يحيى بن بهون حاج امحمّد، ط1، مطبعة Mondial Print Service ، الجزائر، 1427هـ/ 2007م: 33.