وحي السنة في خطبتي الجمعة لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ١٠" وما ذكرته من أن الجلوس بين الخطبتين محدث هو عين ما صرح به الأصحاب -رحمهم الله- وقيل إنه غير محدث وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك ففي كشف الغمة ( أنه كان صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ويجلس بين الخطبتين ويقرأ القرآن ويذكر الناس ) ولعل الشافعي استدل بهذا الحديث فأوجب الجلوس بين الخطبتين وحينئذ فيشكل ما قاله من وجوب الجلوس بين الخطبتين مع قوله إنما خطب معاوية جالسا حين كثر شحم بطنه ولحمه ، ويجمع بين قوليه بأن يقال أن الذي حكاه عن معاوية هو الجلوس في حال الخطبة وأن الذي أوجبه هو الجلوس بين الخطبتين والله أعلم.
وذكر صاحب القواعد عن بعضهم استحباب الجلوس بين الخطبتين ولعله لأجل ما روي من الحديث المتقدم ذكره ، ففي استحباب الجلوس حينئذ قولان لأصحابنا على القول باستحبابه فهو جلسة خفيفة لا يتكلم فيها الخطيب بشيء والله أعلم كلامه رحمه الله .
وإذا استقر أن في المذهب قولين في المسألة فهل الأجدر بالعاقل أن ينساق وراء القول العاري من الدليل إلا مجرد وهم اصطبغت به أفكار بعض العلماء أو الوقوف مع السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إني لا أخال أحدا ممن يريد السلامة لنفسه يختار الوجه الأول إلا إذا آثر الرجوع من البصيرة الى العمى ومن الحقيقة إلى الوهم ، وأما قول ابن بركة -رحمه الله- ولم يشاهد مشائخنا بحضرموت يجلسون فنحن على فعلهم فمردود بأن السنة هي الحجة على فعلهم وليس فعلهم حجة على السنة واتباعها وإيثارها على كل حجة بعد كتاب الله تعالى وإحياء ما اندرس من رسمها ، وما أحوجنا اليوم -ونحن في عصر هبت فيه عواصف الزيغ والالحاد فأطفأت مشاعل الحق وطمست معالم الحقيقة ونشرت أوبئة الفساد -أن نحرص على اتباع هدي نبينا صلى الله عليه وسلم وتطبيق سنته وعدم التساهل في شيء منها.