وحي السنة في خطبتي الجمعة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

وحي السنة في خطبتي الجمعة لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ١٢

وأيضا فإن الذهول والنسيان مما جبل عليه البشر فقد يطلع العالم على حديث ثم ينساه ويعمل بخلافه ، ولذلك تجد كثيرا من أئمة الحديث تخالف آراؤهم ما رووه وصححوه عن سيد البشر -عليه أفضل الصلاة والسلام- ومن بين هؤلاء بعض كبار أئمتنا ، فهذا الإمام المحدث أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي رضي الله تعالى عنه نجد له في المدونة وغيرها من الأسفار من الآراء ما يخالف ما ثبت من طريقه في المسند الصحيح من أحاديث لا مرية في صحتها كتحديد مدة الحيازة بعشرين عاما مع أنه روى تحديدها بالعشر بإسناد صحيح ، وكقوله بكراهة التنزيه في ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير ، مع أنه روى عن جابر بن زيد عن أبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أكل ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير حرام ) ، ومثل ذلك وقع لتلميذه الإمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب رضوان الله عليه فيما رواه في المسند الصحيح من الأحاديث ونقل عنه من الآراء ، فهل يظن بهما انهما يتعمدان مخالفة السنة أو أنهما يدلسان في روايتهما ؟

كلا والله ، بل هما أورع من ذلك وأنزه وأحرص على إتباع الحق وابعد من الحوم حول الباطل ، وما علينا إلا أن نحملهما على حسن الظن ، وأن لا نشك في صحة ما روياه وفي وجوب العمل به.

وباستقراء هذه الحقائق يتجلى إمكان خفاء سنة الجلوس بين الخطبتين على بعض أسلافنا -رحمهم الله- وأن ذلك لا يخل بمقامهم ولا ينقص من أقدارهم ، كما أن ذلك لا يقتضي ترك هذه السنة عند من ثبثث عنده ولا يقتضي القدح في رواية من رواها ، فإن الاحاطة بجميع السنة -امر مستحيل- كما قلنا ، والله سبحانه وتعالى قال في كتابه: {﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾} ﴿ النور - آية 33﴾ ، ومن رجع إلى آثار السلف وجد فيها رداً لأحاديث رواها الإمام الربيع بن حبيب -رحمه الله- بأصح إسناد عندنا. فهذا العلامة ابن مداد -رحمه الله- قال:

١٢ / ١٤