وحي السنة في خطبتي الجمعة لأحمد الخليلي
الجزء ١ · صفحة ٨فأنت ترى أن مدار احتجاجهم في عدم استحباب الجلوس على ظن حدوثه ولكن من طلب الحقيقة من مظانها بالرجوع إلى كتب الحديث وتتبع الروايات الواردة في الموضوع ظهرت له بخلاف ما ظنوه ، وعرف منشأ هذا الظن الذي تداولته الألسنة وتناقلته الأقلام حتى جرى من أفهام بعض مشائخ عصرنا مجرى اليقين ، وخلاصة الأمر أن الجلوس بين الخطبتين قد سنه الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدثه عثمان وما أحدثه معاوية ، أما عثمان فإنه لما تقدم في العمر استرخت قوائمه فلم يقدر على القيام حال أداء الخطبة فكان يتخلل خطبته جلوس غير الجلوس المشروع بين الخطبتين ، وأما معاوية فإنه لما كثر شحم بطنه ولحمه شق عليه القيام فخطب جالسا واقتدى به في ذلك بعض عماله ، وقد استجر ذلك إنكار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وعلى من اقتدى به من عماله ، وبفعل هؤلاء يعرض جابر بن سمرة حينما قال بعد ما وصف خطبة النبي صلى الله عليه وسلم : ( فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة ) .
وروى مسلم عن كعب بن عجرة رضي الله عنه أنه دخل المسجد وعبدالرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدا فقال: ( انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا).
وقال الله تعالى: (( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما )).
وفي رواية ابن خزيمة: ( ما رأيت كاليوم قط إماما يؤم المسلمين يخطب وهو جالس) يقول ذلك مرتين ، ولعل بعض الروايات التى وردت في قصة معاوية كانت سببا للبس الحاصل لعدم وضوح ألفاظها كرواية ابن أبي شيبة عن طاوس خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما وأبو بكر وعمر وعثمان ( وأول من جلس على المنبر معاوية ) فقد يوهم قوله: ( واول من جلس على المنبر معاوية ) أن مراده به الجلوس بين الخطبتين ولكن الرواية الأخرى تدفع هذا الإيهام فقد روى ابن أبي شيبة عن طاوس أيضا: ( وأول من خطب قاعدا معاوية حين كثر شحم بطنه (