أدب الاختلاف في الإسلام لباجو مصطفى - مادة خام
الجزء ١ · صفحة ٢٣وَلَقَدْ رَأَيْت مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ رَجُلا يُنَاظِرُ فِي مَجْلِسِ حَفْلٍ وَقَدْ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ الْخَصْمُ بِدَلَالَةٍ صَحِيحَةٍ فَكَانَ جَوَابُهُ عَنْهَا أَنْ قَالَ : إنَّ هَذِهِ دَلَالَةٌ فَاسِدَةٌ ، وَجْهُ فَسَادِهَا أَنَّ شَيْخِي لَمْ يَذْكُرْهَا وَمَا لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ لَا خَيْرَ فِيهِ . فَأَمْسَكَ عَنْهُ الْمُسْتَدِلُّ تَعَجُّبًا ; وَلِأَنَّ شَيْخَهُ كَانَ مُحْتَشِمًا . وَقَدْ حَضَرَتْ طَائِفَةٌ يَرَوْنَ فِيهِ مِثْلَ مَا رَأَى هَذَا الْجَاهِلُ ، ثُمَّ أَقْبَلَ الْمُسْتَدِلُّ عَلَيَّ وَقَالَ لِي : وَاَللَّهِ لَقَدْ أَفْحَمَنِي بِجَهْلِهِ وَصَارَ سَائِرُ النَّاسِ الْمُبَرَّئِينَ مِنْ هَذِهِ الْجَهَالَةِ مَا بَيْنَ مُسْتَهْزِئٍ وَمُتَعَجِّبٍ ، وَمُسْتَعِيذٍ بِاَللَّهِ مِنْ جَهْلٍ مُغْرِبٍ . فَهَلْ رَأَيْت كَذَلِكَ عَالِمًا أَوْغَلَ فِي الْجَهْلِ ، وَأَدَلَّ عَلَى قِلَّةِ الْعَقْلِ . وَإِذَا كَانَ الْمُتَعَلِّمُ مُعْتَدِلَ الرَّأْيِ فِيمَنْ يَأْخُذُ عَنْهُ ، مُتَوَسِّطَ الِاعْتِقَادِ مِمَّنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ ، حَتَّى لَا يَحْمِلَهُ الْإِعْنَاتُ عَلَى اعْتِرَاضِ الْمُبَكِّتِينَ ، وَلَا يَبْعَثُهُ الْغُلُوُّ عَلَى تَسْلِيمِ الْمُقَلَّدِينَ ، بَرِئَ الْمُتَعَلِّمُ مِنْ الْمَذَمَّتَيْنِ ، وَسَلِمَ الْعَالِمُ مِنْ الْجِهَتَيْنِ . وَلَيْسَ كَثْرَةُ السُّؤَالِ فِيمَا الْتَبَسَ إعْنَاتًا ، وَلَا قَبُولُ مَا صَحَّ فِي النَّفْسِ تَقْلِيدًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : ﴿ الْعِلْمُ خَزَائِنُ وَمِفْتَاحُهُ السُّؤَالُ فَاسْأَلُوا - رَحِمَكُمْ اللَّهُ - فَإِنَّمَا يُؤْجَرُ فِي الْعِلْمِ ثَلَاثَةٌ : الْقَائِلُ وَالْمُسْتَمِعُ وَالْآخِذُ ﴾ .