أدب الاختلاف في الإسلام مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

أدب الاختلاف في الإسلام لباجو مصطفى - مادة خام

الجزء ١ · صفحة ٧٧

وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ : وَمَا شَيْءٌ إذَا فَكَّرْتَ فِيهِ بِأَذْهَبَ لِلْمُرُوءَةِ وَالْجَمَالِ مِنْ الْكَذِبِ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ وَأَبْعَدَ بِالْبَهَاءِ مِنْ الرِّجَالِ وَالْكَذِبُ جِمَاعُ كُلِّ شَرٍّ ، وَأَصْلُ كُلِّ ذَمٍّ لِسُوءِ عَوَاقِبِهِ ، وَخُبْثِ نَتَائِجِهِ ; لِأَنَّهُ يُنْتِجُ النَّمِيمَةَ ، وَالنَّمِيمَةُ تُنْتِجُ الْبَغْضَاءَ ، وَالْبَغْضَاءُ تُؤَوَّلُ إلَى الْعَدَاوَةِ ، وَلَيْسَ مَعَ الْعَدَاوَةِ أَمْنٌ وَلَا رَاحَةٌ . وَلِذَلِكَ قِيلَ : مَنْ قَلَّ صِدْقُهُ قَلَّ صَدِيقُهُ . وَالصِّدْقُ وَالْكَذِبُ يَدْخُلَانِ الأخْبَارَ الْمَاضِيَةَ ، كَمَا أَنَّ الْوَفَاءَ وَالْخُلْفَ يَدْخُلَانِ الْمَوَاعِيدَ الْمُسْتَقْبَلَةَ . فَالصِّدْقُ هُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ ، وَالْكَذِبُ هُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ الشَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ . وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا دَوَاعٍ . فَدَوَاعِي الصِّدْقِ لَازِمَةٌ ، وَدَوَاعِي الْكَذِبِ عَارِضَةٌ ; لِأَنَّ الصِّدْقَ يَدْعُو إلَيْهِ عَقْلٌ مُوجِبٌ وَشَرْعٌ مُؤَكَّدٌ ، فَالْكَذِبُ يَمْنَعُ مِنْهُ الْعَقْلُ وَيَصُدُّ عَنْهُ الشَّرْعُ . وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ تَسْتَفِيضَ الأخْبَارُ الصَّادِقَةُ حَتَّى تَصِيرَ مُتَوَاتِرَةً ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَسْتَفِيضَ الأخْبَارُ الْكَاذِبَةُ ; لِأَنَّ اتِّفَاقَ النَّاسِ فِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ إنَّمَا هُوَ لِاتِّفَاقِ الدَّوَاعِي ، فَدَوَاعِي الصِّدْقِ يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ عَلَيْهَا ، حَتَّى إذَا تَلَقَّوْا خَبَرًا ، وَكَانُوا عَدَدًا يَنْتَفِي عَنْ مِثْلِهِمْ الْمُوَاطَأَةُ ، وَقَعَ فِي النَّفْسِ صِدْقُهُ ; لِأَنَّ الدَّوَاعِيَ إلَيْهِ نَافِعَةٌ ، وَاتِّفَاقُ النَّاسِ فِي الدَّوَاعِي النَّافِعَةِ مُمْكِنٌ .

٧٧ / ١٨٥