أدب الاختلاف في الإسلام مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

أدب الاختلاف في الإسلام لباجو مصطفى - مادة خام

الجزء ١ · صفحة ٨٣

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ رحمه الله تعالى : اصْبِرْ عَلَى كَيْدِ الْحَسْوِ دِ فَإِنَّ صَبْرَكَ قَاتِلُهُ فَالنَّارُ تَأْكُلُ بَعْضَهَا إنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَأْكُلُهُ وَحَقِيقَةُ الْحَسَدِ شِدَّةُ الأسَى عَلَى الْخَيْرَاتِ تَكُونُ لِلنَّاسِ الأفَاضِلِ وَهُوَ غَيْرُ الْمُنَافَسَةِ ، وَرُبَّمَا غَلِطَ قَوْمٌ فَظَنُّوا أَنَّ الْمُنَافَسَةَ فِي الْخَيْرِ هِيَ الْحَسَدُ ، وَلَيْسَ الأمْرُ عَلَى مَا ظَنُّوا ; لِأَنَّ الْمُنَافَسَةَ طَلَبُ التَّشَبُّهِ بِالأفَاضِلِ مِنْ غَيْرِ إدْخَالِ ضَرَرٍ عَلَيْهِمْ . وَالْحَسَدُ مَصْرُوفٌ إلَى الضَّرَرِ ; لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَعْدَمَ الأفَاضِلُ فَضْلَهُمْ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ الْفَضْلُ لَهُ ، فَهَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُنَافَسَةِ وَالْحَسَدِ . فَالْمُنَافَسَةُ إذًا فَضِيلَةٌ ; لِأَنَّهَا دَاعِيَةٌ إلَى اكْتِسَابِ الْفَضَائِلِ وَالِاقْتِدَاءِ بِأَخْيَارِ الأفَاضِلِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : ﴿ الْمُؤْمِنُ يَغْبِطُ وَالْمُنَافِقُ يَحْسُدُ ﴾ . وَقَالَ الشَّاعِرُ : نَافِسْ عَلَى الْخَيْرَاتِ أَهْلَ الْعُلَا فَإِنَّمَا الدُّنْيَا أَحَادِيثُ كُلُّ امْرِئٍ فِي شَأْنِهِ كَادِحٌ فَوَارِثٌ مِنْهُمْ وَمَوْرُوثُ وَاعْلَمْ أَنَّ دَوَاعِيَ الْحَسَدِ ثَلَاثَةٌ : أَحَدُهُمَا : بُغْضُ الْمَحْسُودِ فَيَأْسَى عَلَيْهِ بِفَضِيلَةٍ تَظْهَرُ ، أَوْ مَنْقَبَةٍ تُشْكَرُ ، فَيُثِيرُ حَسَدًا قَدْ خَامَرَ بُغْضًا . وَهَذَا النَّوْعُ لَا يَكُونُ عَامًّا وَإِنْ كَانَ أَضَرَّهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ يُبْغِضُ كُلَّ النَّاسِ . وَالثَّانِي : أَنْ يَظْهَرَ مِنْ الْمَحْسُودِ فَضْلٌ يَعْجِزُ عَنْهُ فَيَكْرَهُ تَقَدُّمَهُ فِيهِ وَاخْتِصَاصَهُ بِهِ ، فَيُثِيرُ ذَلِكَ حَسَدًا لَوْلَاهُ لَكَفَّ عَنْهُ .

٨٣ / ١٨٥