أدب الاختلاف في الإسلام لباجو مصطفى - مادة خام
الجزء ١ · صفحة ٨٤وَهَذَا أَوْسَطُهَا ; لِأَنَّهُ لَا يَحْسُدُ الأكْفَاءُ مَنْ دَنَا ، وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ بِحَسَدِ مِنْ عَلَا . وَقَدْ يَمْتَزِجُ بِهَذَا النَّوْعِ ضَرْبٌ مِنْ الْمُنَافَسَةِ وَلَكِنَّهَا مَعَ عَجْزٍ فَلِذَلِكَ صَارَتْ حَسَدًا . وَالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ فِي الْحَاسِدِ شُحٌّ بِالْفَضَائِلِ ، وَبُخْلٌ بِالنِّعَمِ وَلَيْسَتْ إلَيْهِ فَيَمْنَعُ مِنْهَا ، وَلَا بِيَدِهِ فَيَدْفَعُ عَنْهَا ; لِأَنَّهَا مَوَاهِبُ قَدْ مَنَحَهَا اللَّهُ مَنْ شَاءَ فَيَسْخَطُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَضَائِهِ ، وَيَحْسُدُ عَلَى مَا مَنَحَ مِنْ عَطَائِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَهُ أَكْثَرَ ، وَمِنَحُهُ عَلَيْهِ أَظْهَرَ . وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْحَسَدِ أَعَمَّهَا وَأَخْبَثُهَا إذْ لَيْسَ لِصَاحِبِهِ رَاحَةٌ ، وَلَا لِرِضَاهُ غَايَةٌ ، فَإِنْ اقْتَرَنَ بِشَرٍّ وَقُدْرَةٍ كَانَ بُورًا وَانْتِقَامًا ، وَإِنْ صَادَفَ عَجْزًا وَمَهَانَةً كَانَ كَمَدًا وَسَقَامًا . وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ : الْحَسُودُ مِنْ الْهَمِّ كَسَاقِي السُّمِّ ، فَإِنْ سَرَى سُمُّهُ زَالَ عَنْهُ غَمُّهُ . وَاعْلَمْ أَنَّ بِحَسَبِ فَضْلِ الْإِنْسَانِ وَظُهُورِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ يَكُونُ حَسَدُ النَّاسِ لَهُ . فَإِنْ كَثُرَ فَضْلُهُ كَثُرَ حُسَّادُهُ ، وَإِنْ قَلَّ قَلُّوا ; لِأَنَّ ظُهُورَ الْفَضْلِ يُثِيرُ الْحَسَدَ ، وَحُدُوثَ النِّعْمَةِ يُضَاعِفُ الْكَمَدَ . وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : ﴿ اسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ الْحَوَائِجِ بِسَتْرِهَا فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ ﴾ .