أدب الاختلاف في الإسلام لباجو مصطفى - مادة خام
الجزء ١ · صفحة ٨٦قَالَ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ : فَلَمْ أَجِدْ الأخْلَاقَ إلَّا تَخَلُّقًا وَلَمْ أَجِدْ الأفْضَالَ إلَّا تَفَضُّلَا وَمِنْهَا : الْعَقْلُ الَّذِي يَسْتَقْبِحُ بِهِ مِنْ نَتَائِجِ الْحَسَدِ مَا لَا يُرْضِيهِ ، وَيَسْتَنْكِفُ مِنْ هُجْنَةِ مُسَاوِيهِ ، فَيُذَلِّلُ نَفْسَهُ أَنَفَةً ، وَيَقْهَرُهَا حَمِيَّةً ، فَتُذْعِنُ لِرُشْدِهَا ، وَتُجِيبُ إلَى صَلَاحِهَا . وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ لِذِي النَّفْسِ الأبِيَّةِ ، وَالْهِمَّةِ الْعَلِيَّةِ ، وَإِنْ كَانَ ذُو الْهِمَّةِ يَجِلُّ عَنْ دَنَاءَةِ الْحَسَدِ . وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ : أَبِيٌّ لَهُ نَفْسَانِ نَفْسٌ زَكِيَّةُ وَنَفْسٌ إذَا مَا خَافَتْ الظُّلْمَ تُشْمِسُ وَمِنْهَا : أَنْ يَسْتَدْفِعَ ضَرَرَهُ ، وَيَتَوَقَّى أَثَرَهُ ، وَيَعْلَمَ أَنَّ مَكَانَتَهُ فِي نَفْسِهِ أَبْلُغُ وَمِنْ الْحَسَدِ أَبْعَدُ ، فَيَسْتَعْمِلُ الْحَزْمَ فِي دَفْعِ مَا كَدَّهُ وَأَكْمَدَهُ لِيَكُونَ أَطْيَبَ نَفْسًا وَأَهْنَأَ عَيْشًا . وَقَدْ قِيلَ : الْعَجَبُ لِغَفْلَةِ الْحُسَّادِ عَنْ سَلَامَةِ الأجْسَادِ . وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ : بَصِيرٌ بِأَعْقَابِ الْأُمُورِ كَأَنَّمَا يَرَى بِصَوَابِ الرَّأْيِ مَا هُوَ وَاقِعُ وَمِنْهَا : مَا يَرَى مِنْ نُفُورِ النَّاسِ عَنْهُ وَبُعْدِهِمْ مِنْهُ فَيَخَافُهُمْ إمَّا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةٍ ، أَوْ عَلَى عِرْضِهِ مِنْ مَلَامَةٍ ، فَيَتَأَلَّفُهُمْ بِمُعَالَجَةِ نَفْسِهِ وَيَرَاهُمْ إنْ صَلَحُوا أَجْدَى نَفْعًا وَأَخْلَصُ وُدًّا .