أحكام الحج والعمرة لسعيد القنوبي
الجزء ١ · صفحة ٢٣٦وقد جاء لِهذيْن الطرِيقيْن شواهِدُ مِن طُرُقٍ أخرى عن صحابةِ رسولِ الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقد جاء ذلك مِن طرِيقِ أم سلمة ومِن طرِيقِ جابر بن عبد الله، وذَكَرَ الترمذي بِأنه جاء مِن طرِيقِ أسماء، وجاء-أيضا-مِن طرِيقِ سُعْدَة بنتِ قيْس جدّةِ ابن الزبير، وجاء عن غيْرِ هؤلاءِ مِن صحابةِ رسولِ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .. إنْ صَحَّتْ الرواية فقدْ جاء عن ذُؤَيْب الأسلمي، ولستُ أُرِيدُ أن أُطِيلَ الكلام على صِحَّةِ هذه الروايات، فإنّ بعضَها حَسَن وبعضُها صالِحٌ لِلاستشهادِ بِذلك، وعلى تقدِيرِ عدمِ ذلك-إذا تَشَدَّدَ مُتشدِّدٌ في بعضِها-فإنّ الطريقيْن السابقَيْنِ صحِيحانِ ثابِتانِ عن رسولِ الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقد اعتَرَضَ كثِيرٌ مِن الناسِ على هذه الأحادِيث:
منهم مَن اعتَرَضَ بِأنها ضعِيفة، وقد تَقَدَّمَ الكلامُ على ذلك، فلا حاجَةَ لإعادَتِه.
ومنهم مَن ادّعَى بِأنّ ذلك خاصٌّ بِالعمرةِ وليس في الحج، والحديثُ يُنادِي بِأعلى صوت ويَصرُخ بِأقوى حُجّة بِأنّ الحديثَ وارِدٌ في الحج، ثم ليْتَ شِعرِي ما الفرْقُ بيْن الحج والعمرةِ في هذا ؟! فما صَحّ في العمرةِ فإنه يَصِحّ في الحج إلا إذا دَلَّ دلِيلٌ على الفرْقِ بينهما وليس هنالِك دَلِيلٌ البتّة، ومَن ادَّعَى خِلافَ ذلك فعليه الدلِيل ولا سبِيلَ إليه.
وادَّعَى بعضُهم بِأنّه خاصٌّ بِضُبَاعَة، وهذا باطِلٌ كما وَصَفَه الإمام النووي، وهو حَقِيقٌ بِذلك.
ومنهم مَن ادَّعَى بِأنّ ذلك إذا ماتَتْ فيُحمَل الحديثُ على ذلك، وهو قولٌ كَلِيلٌ ودَلِيلُه عَلِيل فلا يَنبغِي أن يُلتَفَتَ إليه ولا أن يُعَوَّلَ عليه.
وادَّعَى بعضُهم بِأنه منسوخ، وهو كلامٌ باطِل وعن الدلِيلِ عاطِل، فهذا الحديثُ كان في حَجَّةِ الوداع ولم يَأْتِ حدِيثٌ آخَر يَدُلُّ على خِلافِ ذلك.