الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ٣٧٠جهله فحين وقوعه في ذلك الاضطرار واقع في أمر لا يسعه جهله، فقصارى أمره أنه لا يلزمه علم الرخصة ووجوب التناول من الميتة ونحوها إلا بقيام الحجة بمعبر يعبر له ذلك مهما كان ولو طائرا مثلا أفهمه ذلك بكرامة ربانية أو ألقى له كتابا ففهم منه وجوب ذلك أو وجده منقوشا فيما وجده فيه أو خطر ذلك بباله إن قلنا بقيام الحجة بخاطر البال فما وجه هلاكه ؟ فالمتبادر إلى فهم الضعيف أنه لا يهلك إن دان بالسؤال عما لزمه فيه السؤال فالله أكرم من أن يؤاخذ عبدا بما لم يكلفه به فالتكليف متوقف على قيام الحجة قال تعالى ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ﴾(1) وليس من وسعها علم ما لم تقم الحجة
بوجوبه .
فإن قيل: إن الله أوجب على كل مكلف حفظ نفسه، قال جل شأنه: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾(2) وقال ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾(3) فعلمنا أن تنجية النفس بأي وجه كان واجبة عليه، قلنا: إن الدينونة بشيء لا يوجب الدينونة بشيء آخر فدينونة تنجية النفس وحفظها من العطب لقيام الحجة عليه بذلك هو المكلف به والواجب عليه لا تناوله الميتة ونحوها لعدم قيام الحجة عليه بذلك بل هو مكلف قبل الاضطرار بالدينونة بحرمة ذلك، فهو دائن بذلك وملتزم ما ألزمه إياه مولاه جل جلاله، فوقوعه في الاضطرار قبل العلم بتحليل ما حرم عليه له ووجوب الأكل منه لا يوجب هلاكه مع الدينونة بما يجب عليه إجمالا في موضع الإجمال وتفصيلا في موضع التفصيل، هذا ما تبادر إلى فهمي القاصر.