روض البيان على فيض المنان
الجزء ١ · صفحة ١١١فأي واحد كان خالقاً غير مخلوق فهو الإله. وإن قلتم أن جميعها خالق ومخلوق، لزم عليه عدم النهاية، إذ لا غاية لذلك، وهذا هو التسلسل. وإن قلتم بأن كل واحد منهما خلق الآخر لزم عليه محال آخر، يسمى بالدور، والدور والتسلسل باطلان عقلاً. فقوله لو صح: أي لو ثبت.
و التسلسل: هو توقف أمر على أمر، وتوقف ذلك الأمر على أمر أخر وتوقف ذلك الأمر أيضاً على أمر آخر وهكذا، إلى ما لا نهاية، وهو من المحالات العقلية، ووجه كونه محالاً عقلاً هو أن العقل يمنع من وجود أشياء لا غاية لها.
و الدور: هو توقف أمر على أمر يتوقف عليه ذلك الأمر بعينه مثاله: ما أن لو قالوا أن كل واحد خلق الآخر فانه يلزم على قولهم هذا ان يكون كل واحد منهما موجودا قبل صاحبه ووجود كل واحد منهما قبل الآخر محال، إذ لابد من تقدم أحدهما على الآخر في الوجود، فمن هنا كان الدور محالاً.
ومثال أيضاً: أن لو قلنا: لا تعرف عمراً حتى تعرف زيداً، ولا تعرف زيداً حتى تعرف عمراً، فإنه يستحيل معرفة كل واحد منهما، لأن (1) معرفة كل واحد منهما متوقفة على معرفة الآخر، فاستحالت المعرفة لكل واحد منهما، وكذا يستحيل وجود كل واحد من الخالقين أن لو قالوا بأن كلا منما خلق الآخر لأن وجود كل واحد منهما متوقف على وجود الآخر، فلا وجود لشيء منهما أصلاً.
39 بل لا وجود لغيره فوجوده قبل الزمان وقبل كل مكان
أي: دع عنك هذا المقال الذي لا أظنك تقول به، فإنه لا وجود في الأزل لغيره تعالى حتى يكون خالقاً له مثلا - تعالى الله عن ذلك - فوجوده عز وجل قبل الزمان كله وقبل الأمكنة جميعها لأن الزمان والمكان مخلوقان له - تعالى - ولا يخفى وجوب تقدم الخالق على المخلوق. وإذا عرفت وجوب تقدم وجوده على الزمان والمكان يتبين لك وجوب تقدم وجوده] (2) على كل شيء لأن كل شيء إنما وجد بعد وجود الزمان والمكان، فلابد لكل مخلوق من مكان يحويه وزمان يوجد فيه، فثبت بهذا الدليل
(1) في ب: فان
(2) الزيادة في ب.
روض البيان على فيض المنان في الرد على من أدعى قدم القُرآن - 103