روض البيان على فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القرآن عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

روض البيان على فيض المنان

الجزء ١ · صفحة ١١٤

وقال يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة (1). وإذا كان الجعل المسند إليه تعالى يكون تارة بمعنى الخلق وأخرى بمعنى غيره في قوله تعالى إنا جعلناه قرآنا عربياً ما يدل على أن الجعل هنا بمعنى الخلق لم لا يجوز أن يكون الجعل هنا بمعنى التسمية والوصف، فيكون المعنى إنَّا سميّناه قرآنا عربياً، فظهر أنه ليس في الآية حجة تدل على البيان الواضح الذي أدّعيته.

قلنا: يمنع من تفسير جعل بسمي وجوه: أحدها: أنه ليس المقصود بالآية الإخبار عن تسمية القرآن قرآنا عربياً، وإنما المقصود من الآية الإخبار بأنه تعالى جعله على هذه اللغة التي يفهمها المخاطبون، إقامة للبرهان وإظهاراً للإمتنان يدلك على ذلك قوله تعالى لعلكم تعقلون أي

تعلمون.

وثانيها: أنه لو كان (جعل) في الآية بمعنى سَمي لاختل نظام الآية، إذ ليست التسمية علة يرجى معها حصول علمهم فظهر امتناع كون جعل بمعنى سمّي في

الآية.

(2)

وإن قلت: ليست هي بمعنى خلق وإنما هي بمعنى صيّر مثلاً، قلنا لك: أنه يلزمك أن تسلم أن القرآن مجعول هدى يهدي به الله أهل التصديق لقوله تعالى هدى للمتقين فانظر بعين عقلك ما معنى كونه مجعولاً هدى؟ أهو معنى: مخلوق. أم غير ذلك؟ فإن قلت: لا، ولكنه بمعنى مصيّر هدى للمتقين فهو نظير قوله تعالى أجعل هذا البلد آمنا (3) واجعلني مقيم الصلاة) ولاشك أن البلد وإبراهيم موجودان قبل هذا الدعاء، فليس في وصفهما بالجعل المسند إليه تعالى ما يدل على خلقهما بعد

ذلك

•

(4)

قلنا: إن الخليل عليه السلام لم يسأل جعل البلد لنفسه ولا جعل ذاته، وإنما سأل جعل الأمن للبلد وجعل إقامته للصلاة، فالأمن والإقامة المسئولان إنما يوجدان بعد ذلك الدعاء لا قبله. فالأمن والإقامة () هما المجعولان لا البلد وإبراهيم، سلمنا

(1) آل عمران: 176. (2) البقرة: 2. (3) البقرة: 126. (4) إبراهيم: 40 (5) ب، حـ: البلد.

روض البيان على فيض المنان في الرد على من أدعى قدم القُرآن - 106