روض البيان على فيض المنان
الجزء ١ · صفحة ١١٨ذكر محدث، والمحدث هو الموجود بعد عدم. فالآيتان صريحتان في خلق القرآن. وفي الآية الأولى دليل ثان على خلقه هو أنه تعالى وصف الذكر بأنه مستمع، وكل مستمع حادث لأن الإستماع لا يكون إلا للفظ مشتمل على معان، وكل ما هو كذلك فهو مخلوق لما تقدم من البرهان على خلقه فان اعترضت علينا في الاستدلالين الأولين من هاتين الآيتين وقلت بأنه ليس المراد من قوله تعالى محدث حدوث ذات القرآن، وإنما المراد منه أنه طارئ على النبي محمد د الله، ويقال للشيء الغريب الطاريء هذا محدث. قلنا مجيبين لك عن هذا الإعتراض: أن حدوث ما هيّة القرآن وطروءه على نبينا محمد ال كلاهما مجمّع في القرآن فلا يتنافيان. وتفسيرك لمحدث بمعنى طارئ خلاف الظاهر، ولا دليل لك على صرف اللفظ عن ظاهره. ثم ان قولك طارئ على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم دليل تنطق به من فيك على نفسك فان كل طارئ مخلوق. أما القديم الأزلي فلا يتصف بالطرق والتنقل.
فقوله يهدي إلى احداثه: أي يدل على إيجاده بعد عدم. وآثر التعبير بالإحداث عن الحدوث لأن الإحداث أنسب لما في الآيتين من التعبير بالمحدث، وفيه التنبيه على أن الشيء المحدث لا يكون حادثاً بنفسه، بل لابد له من محدث، هو غيره.
وقوله حقاً: صفة لمصدر محذوف تقديره هداية حقاً.
و الكتمان: بالكسر: الإخفاء، أي تدل الآيتان على خلقه دلالة صدق لا إخفاء معها لظهور الإستدلال بهما.
وقوله إن قلت ليس بحادث في ذاته: أي إن قلت إن ذات القرآن ليست حادثة وإنما وصف بالحدوث لكونه وجد مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن لم يكن موجوداً معه وجوابه: ما ذكره ان هذا لا ينافي كونه محدثاً في ذاته، بل هو مما يدل على
حقيقة ذلك القول. وأشار بهذا الكلام إلى ما في تلك النونية مما نصه: وان احتججت وقلت ذكر محدث وجهلت حق تأول القرآن أعظمت إفكاً وادعيت خطيئة والله أحدثه إلى الإنسان
روض البيان على فيض المنان في الرد على من أدعى قدم القُرآن - 1100