روض البيان على فيض المنان
الجزء ١ · صفحة ١٢٠قلنا: إن سلّمنا لك هذا الإستدلال على عدم وقوع الفناء للكلام الفعلي فجواز
فنائه عقلا كاف في الإستدلال على قدمه لأن ما جاز عدمه استحال قدمه، وإمكان فنائه عقلا كاف في دفع برهانك الذي قصدته، وسأسوق لذلك نظيراً تعرف به الحق، فأقول بأن ثواب الطائعين في دار الجزاء، وعقاب العاصين في دار المجازاة لا يفنيان القيام الدليل القاطع النقلي على تخليد أهل الجنة في النعيم وأهل النار في الجحيم. فهذا نظير الكلام الفعلي إن سلمنا لك عدم وقوع فنائه. أليس ثواب الطائعين وعقاب العاصين مخلوقين؟ بلى، هما مخلوقان عدلا في عقاب أهل المعاصي وفضلا في ثواب أهل الطاعة. هذا كله مجاراة للخصم وإلا فدليله على عدم الفناء غير مسلّم لأنه ليس المراد من قوله تعالى وما نفدت كلمات الله، الكتب المنزلة. كيف يكون المراد ذلك، وضرورة العقل شاهدة بأن أهل كل كتاب منزل (1) قد كتبوا كتابهم، وقرؤوه، فضبطت الكتب المنزلة بأقلام دون الأشجار كلها، ومداد دون البحار المذكورة، فوجب حمل الآية على خلاف تعسفه.
(2)
فنقول: المراد بالكلمات التي لا تنفد وان كتبت بما ذكر هي آياته الباهرة الدالة على قدرته القاهرة وحكمته البالغة ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد (2). فلو فرضنا أن الأشجار كلها أقلام، والبحار كلها مداد الاحتاج كل قلم أن يكتب ما فيه من الآيات الدالة على وحدانية الفاعل المختار، وكذا كل قطرة من تلك البحار، فتنفي هذه الأشياء ولم تفن الآيات الدالة على وجود الصانع المختار. هذا بيان معنى تلك الآية لا كما تأوّله ذلك المتأوّل بسبب صدقه عن الهدى وخوضه في لجج العمى وإيثاره التقليد على التحقيق
اللهم افتح بصائرنا لمعرفة الحق ووفقنا لما فيه رضاك، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك، ولا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
(1) - حـ.
(2) من الدليل الأبيات التالية لأبي العتاهية:
أيا عجباً كيف يُعصي الإله أم كيف يجده الجاحد
وفي كل شيء له آيا تدل على أنه واحد (البحر المتقارب)
روض البيان على فيض المنان في الرد على من أدعى قدم القُرآن - 112