روض البيان على فيض المنان
الجزء ١ · صفحة ١٢١إعتراض:
إن قلت فيه أمره مع نهيه لازالتا
مـ
فتين للمنان (*)
فأقول أمر الله خلق كله مع نهيه فليشهد الثقلان
أي إن قلت أيها المناظر بأن القرآن فيه أمر الله ونهيه وهما صفتان الله تعالى في الأزل، فإنه لم يزل آمرا ولم يزل ناهياً. وما كان له تعالى صفة في الأزل، فلا يصح أن يكون مخلوقاً لاستحالة قيام الحوادث بذاته العليّة ولمنافاة الحدوث الأزلية. وإذا انتفى الخلق عن بعض القرآن وهما الأمر والنهي وجب انتفاؤه عن جميعه، لأنه لم يقل أحد بأن بعضه قديم وبعضه مخلوق، ولأنه يثبت للكل ما ثبت للبعض من هذا
الحكم. فأقول مجيباً لك: لا أسلم ان أمره تعالى ونهيه متصف بهما في الأزلية، وإنما أقول إنهما حادثان كسائر القرآن، أقول ذلك بإعلان، فليعلم الثقلان وهما الجن والإنس كيف أخفي ذلك وهو من أعظم القربات لأن القول به من توحيد الذات، ولأن في الإعلان به نفي الشبهات وإظهار الحجج النيرات.
أما قول القائل لم يزل تعالى أمرا ولم يزل ناهياً، فمنعه بعض أصحابنا لإيهامه أن في الأزل مأموراً ومنهياً، وأجازه البعض بتأويل أنه تعالى قادر أن يأمر وقادر أن ينهي كما سيأتي:
وكذاك فعل الله أيضاً مطلقاً وكلامه الفعلي كالأبدان وكذا الخطاب وروحه عيسى وما اعدامه في حيز الإمكان
68 أثـ ر وتأثير فكل محدث خلق لمولى خالق مان
أي، وكما أن أمره تعالى ونهيه مخلوقان فكذلك مفعوله تعالى مطلقا مخلوق لأن كل مفعول (فهو) مخلوق، وكذا كلامه الفعلي مخلوق أيضاً. فهو في الخلق مثل الأجسام، لا فرق بينهما، وكونه أشرف منها وأفضل لا يستلزم أن يكون مخالفاً لها
() في مجم: للديان.
روض البيان على فيض المنان في الرد على من أدعى قدم القُرآن - 113 -