روض البيان على فيض المنان
الجزء ١ · صفحة ١٢٢في الخلق. فإن هذه المخلوقات كما تعلم بالضرورة متفاضلة وليس أفضلية الأفضل منها موجبة له في الخلق حكماً يخالق حكم المفضول، وكذلك أيضاً خطابه تعالى مخلوق، وكذلك أيضاً روحه عيسى عليه السلام خلافا للنصارى في زعمهم ألوهيته أو إنه ابن الله - تعالى الله عن ذلك - وكذلك كل ما أمكن إعدامه فهو مخلوق، لأن كل ما أمكن عدمه استحال قِدَمُه. فهذه الأشياء كلها مما عدا الباري ـ عز وجل ـ إما فعل وإما مفعول وكلها محدثه بعد عدم وكلها خلق لخالق منفرد بالوحدانية. وقوله وكذاك فعل الله: أي مفعوله تعالى، ففيه إطلاق المصدر على المفعول. وقوله وكلامه الفعلي: أحترز به عن الكلام الذاتى لأنه معنى اعتباري والمعاني الاعتبارية لا وجود لها في الخارج، وكل ما لا وجود له في الخارج فلا يوصف بالخلق ولا بعدمه.
وقوله كالأبدان: أي كالأجسام وفيه إشارة إلى قول صاحب تلك النونية:
أو أن يقال الله خالق نفسه وكلامه كالخلق للأبدان حيث ساوى بين كلامه وذاته تعالى والمساواة باطلة لما تقدم من البرهان بل مساواة الكلام الفعلي للأبدان في الخلق هو الحق كما عليه المصنف.
وقوله وكذا الخطاب: أصل الخطاب توجيه الكلام نحو الغير للأفهام ثم
اشتهر استعماله في الكلام المخاطب به والمراد به هنا: خطاب الله لخلقه.
(1)
وقوله وروحه عيسى: إنما سمي عيسى بروح الله لأنه خلق من نفخة جبريل عليه السلام، ثم أن الرب عز وجل أسند تلك النفحة إليه لما صدرت عن أمره فقال: وفنفخنا فيها من روحنا). وذكر عيسى هنا تعريضاً بالقائل بقدم القرآن بأن مقالته هذه تضاهي مقالة النصارى في عيسى وليس بينهما فرق خلافا لصاحب تلك النونية حيث حاول الفرق بقوله:
ولئن رجعت إلى ابن مريم سائلا عن خير كلمته بلا أكنان أمهدت ليك علم ذلك انه من «كن» مشيئته قاهر سلطان
(1) التحريم: 12.
روض البيان على فيض المنان في الرد على من أدعى قدم القُرآن - 114