روض البيان على فيض المنان
الجزء ١ · صفحة ١٢٩(1)
وأبحاث التخييل كثيرة وبالجملة، فحمل لفظ القرآن عليه مما لا يليق بتعظيم نظمه وذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) وأما ان للشيء وجودات أربعة فهو حق وصواب، وأما أن الكتابة تدل على العبارة ممنوع لأن النقوش والكتابة إنما تدل على المعاني الأولى المقصودة بتوسط الألفاظ والعبارات، وكذا الألفاظ تدل على المعاني الأول، ثم المعاني المقصودة، أي التي قصد إثباتها أو نفيها، ثم القول بأن ما في الأذهان يدل على ما في الأعيان، وأنه يفسر بحقيقته الموجودة في الخارج القائمة بذاته تعالى لا يخفى ما فيه فأنا إذا سمعنا إن زيداً قائم فهمنا منه نسبة القيام إلى زيد مؤكدة أو فهمنا تأكيد النسبة بينهما، وتلك النسبة ثابتة فقد فهمنا تأكيد ثبوت النسبة ولابد من وجود قيام زيد في الخارج أو عدم قيامه، فإن طابق الذهن الخارج كان صدقاً وإلا كان كذباً، وما في الخارج ليس مدلول ما في الذهن، بل مدلول ما في اللفظ أيضاً. فإنا نفهم مما أخبر الله سبحانه من قوله إن فرعون علا في الأرض. تأكيد نسبة الطغيان إلى فرعون في أرض مملكته ومجاوزة الحد في الظلم فيها، وله خارج وهو ظلم فرعون وطغيانه في أرض مصر في ذلك الوقت. فإن أرادوا أن هذا الخارج قام بذات الباري فظاهر البطلان، وإن أرادوا خارجاً آخر دلهم عليه هذا الكلام، فهم مطالبون بإثباته. وإن أرادوا خارجا عن أذهاننا لا يرى ما في الأعيان فغير مفهوم من كلامهم، بل كلامهم نص على أنّ المراد بالخارج هو الموجود في الأعيان، وأنه القائم بذاته تعالى عن ذلك، وهو واضح الاستحالة والذي فسر أئمة الأصول القرآن به هو ملتزمنا وما وراء ذلك، فالقائل به لا يساعد عليه لأن مرجعه إما إلى العلم أو الإرادة.
(2)
وبيان ذلك أن ما في النفس إما العلم سواء تعلق بمفرد ويسمى معرفة وتصورا ويدخل فيه الشك والوهم لأن تصور النسبة غير حكم أم تعلق بمركب ويسمى تصديقا واعتقاداً، ويدخل فيه الظن والاعتقاد الجازم المطابق الثابت، ويدخل في التصور العلم بالألفاظ أي حفظها وأنها وضعت لكذا من المعاني أو الفكر، وهو ترتيب المعاني في النفس على وجه مخصوص. والقدرة عليه تسمى القوة المفكرة، أو إرادة شيء من الأفعال في النفس إلا هذه الوجوه. ومن ادّعى غير هذا فعليه بيانه. وما
(1) البقرة: 2.
(2) القصص 4
روض البيان على فيض المنان في الرد على من أدعى قدم القُرآن - 121 -