روض البيان على فيض المنان
الجزء ١ · صفحة ١٤٢وهكذا يستلزم أن يكون الله كاملاً بالقدرة، وبالارادة والقدرة والارادة هما في زعمهم غيره. فيلزم أن يكون كاملا بالغير، ومن كان كاملاً بالغير وجب أن يكون ناقصاً في ذاته، والله ـ تعالى ـ كامل في ذاته. فالقول بأنه كامل بغيره من الباطل ويستحيل أن يوصف به ـ تعالى.
ويلزم أيضاً على قولهم بان صفات الذات معان حقيقية قديمه مع الذات تعدّد القدماء. وتعدد القدماء باطل لما تقدم. فالقول بأنها غيره باطل ايضا، فتبين ان اسماء الله تعالى وصفاته الذاتية عين ذاته.
قال البدر أبو ستة - رحمه الله تعالى - ذهب الاشاعرة ومن تأسى بهم إلى أنه تعالى له صفات موجودة قائمة زائدة على ذاته. فهو عالم بعلم قادر بقدرة، وعلى هذا القياس ذهب غيرهم إلى نفيها أي نفي زيادتها على الذات.
واحتج الاشاعرة على ما ذهبوا إليه بوجوه ثلاثة:
الأول: ما اعتمد عليه القدماء منهم، وهو قياس الغائب على الشاهد فان العلة والحد والشرط لا تختلف غائباً ولا شاهدا، ولا شك أن علة كون الشي عالماً في الشاهد هي العلم، وكذا في الغائب. وحدّ العالم هنا من قام به العلم، فهكذا حده هناك. وشرط صدق المشتق على واحد منا ثبوت أصله له فهكذا شرطه فيمن غاب عنك، وقس على ذلك سائر الصفات.
قال: وهذا ليس بصحيح إذ قياس الغائب على الشاهد مطلقا لابد فيه من اثبات علة مشتركة بين المقيس والمقيس عليه، وهذا الاثبات بطريق اليقين مشكل لجواز كون خصوصية الاصل الذي هو المقيس عليه شرطا لوجود الحكم فيه أو كون خصوصية الفرع أي المقيس مانعاً من وجوده فيه، وعلى التقديرين لا يثبت بينهما علة مشتركة فلا يصح القياس. كيف والخصم أي القائس قائل معترف بخلاف مقتضى الصفات شاهدا وغائبا، فان القدرة في الشاهد لا يتصور فيها الايجاد بخلافها في الغائب، والارادة فيه لا تخصص بخلاف ارادة الغائب، وكذلك الحال في باقي الصفات فإذا ما وجد في أحدهما لم يوجد في الآخر، فلا يصح القياس أصلا.
روض البيان على فيض المنان في الرد على من أدعى قدم القُرآن - 134