روض البيان على فيض المنان
الجزء ١ · صفحة ١٧١وجوابه: أما (أولاً): فلا يلزمنا تعيين محل خلقه، ولا يلزم من الجهل بمحل
خلقه قدمه، فكثير من خلق الله تعالى لا ندري أين خُلِقُوا، فلا يلزمنا قدمهم. وأما (ثانياً): فإن قوله تعالى {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ليس فيه دليل على أن الحق المخلوق به هو القرآن، ولو سلمنا ذلك لما دل على قدم القرآن وإنما يدل على أن القرآن مخلوق به يستلزم أن يكون إله للخلق
يفعل بها غيرها ويتصرف بها كيف شاء، ومن كان شأنه كذلك فهو مخلوق.
ومن ذلك قوله في أبيات حاصلها التشبث بقوله تعالى ألا له الخلق والأمر ووجه تشبثه أنه تعالى عطف الأمر على الخلق والأمر هو قوله، فلو كان الأمر مخلوقاً لما ميزه بالذكرى عن الخلق ولكان مكتفياً عن ذكره بعموم الخلق.
وجوابه: أما (أولاً) فليس في الآية دليل على المراد بالأمر القول، بل يحتمل أن يكون غير القول من معانى الأمر، فإنه يطلق على الفعل، وعلى الشأن، وعلى الصفة. وأما (ثانياً): فإن عطف الأمر على الخلق ليس فيه دليل على أن الأمر غير مخلوق، كيف والخاص يعطف على العام لنكتة كالإعتناء به، وبيان علو شأنه ومن كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال (1) ولا نزاع أن جبريل وميكال من جملة الملائكة ومن ذلك ما استدل به وهو ليس بمحل النزاع في قوله:
إن كان مخلوقاً بزعمك محدثاً فمن المنادي أيها الثقلان ومن المخاطب خلقه بثوابهم وعقابهم في الخلد والنيران ومن الذي فرض الفرائض آمرا بحدودها ونهى عن العقيان وحاصله: إن كان القرآن مخلوقاً محدثاً فمن المنادي يا معشر الجن والإنس؟ ومن المخاطب خلقه بثوابهم في الجنان وعقابهم في النيران؟ ومن الذي أمر بالفرائض ونهى عن المعاصي؟
وجوابه: أما (أولاً) فإن فاعل جميع ذلك هو الله لا القرآن والقرآن الة لذلك
الندا وما بعده.
(1) سورة البقرة: 98) ...... فان الله عدو للكافرين).
روض البيان على فيض المنان في الرد على من أدعى قدم القُرآن - 163 -