روض البيان على فيض المنان
الجزء ١ · صفحة ١٧٢وأما (ثانياً) فإنه لو قلنا أن فاعل جميع ذلك هو القرآن لما لزم منه قدم القرآن كيف والرسل آمرون بالفرائض ناهون عن المعاصي فاعلون لجميع ما ذكر هنا، فيلزم قدمهم أيضاً.
فلما رأيت جميع ذلك عرفت والحمد الله أن هذه النونية ليست عن ذلك الإمام وان اشتهرت عنه فتلك الشهرة إنما هي شهرة دعوى لا شهرة حق، لأن منشأها أحادي، وذلك أن في ترجمة ذلك الإمام - رحمه الله تعالى ـ أنه أنشأ الدعائم آخر عمره وأن الجبار - خردلة بن سماعة بن محسن ـ قتله.
والدعائم قصائد متفرقة في أيدي الناس فأعتنى بجمعها الشيخ ابن وصاف البزار النزوي، وعلق عليها شرحه المعروف الحل) والإصابة) سماه بذلك ليطابق اسمه مسماه في حل النظم والإصابة فيه، فهذا دليل على أن شهرة النونية عن ذلك الإمام إنما هي شهرة دعوي، إذ لا يجوز أن ينسب مثلها لولي إلا بعد الصحة أنها منه بإقرار أو شهود أو شهرة حق، فان كان ابن وصاف صح معه أنها عن ذلك الإمام بوجه من وجوه الصحة فعلمه خاص به لا يجوز له أن يبديه مع من يتول
الإمام ابن النظر وإنما قلنا: أنه لا يجوز ذلك لما فيها من الكبائر التي منها دعوى أن هذا القرآن المتلو بالألسن المسموع بالأذان هو غير مخلوق، وقد عرفت أنه لا قائل به إلا الحنابلة، وأن القائل به مدعي قديماً عند الله تعالى في الأزل وقد تقدم حكم القائل
به.
ومنها: تفسيق من قال أن القرآن مخلوق، وقد ثبت بالدليل القاطع أن القائل بذلك محق، فالمفسق للمحق فاسق بلا مرية. دع ما ينضم إلى ذلك من تجهيل المنسوبة إليه وتنزيله في منزلة لا تليق بضعيف من ضعفاء المسلمين، فكيف بذلك الإمام! وإنما قلنا إنه ينضم إليه تجهيل المنسوبة إليه لما فيها من التشبثات التي لا يتمسك بها أدنى عالم، فلو نسبت إلى الإمام ابن النظر للزم مع هذا أيضاً تجهيله من جهة أخرى، وتلك الجهة هي مناقضة كلامه بكلامه مناقضة بينه لا تخفى على ضعيف جاهل.
روض البيان على فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القُرآن - 164