روض البيان على فيض المنان
الجزء ١ · صفحة ١٩(1)
وقد تبين لأبي) عبد الله، الفرق بين هذه المقالة وهي القول بخلق القرآن وبين مقالة الجهمية بحدوث الصفات الذاتية فقال: القرآن مخلوق»، فلما رأى أن أصحابه لا يوافقونه على هذا التصريح، تركه ورجع إلى الإجمال الذي أتفقوا عليه، إذ ليس في ترك التصريح بذلك محذور لدخول تحت الإجمال، وهي العقيدة التي كان عليها السلف وحصلت بها السلامة العامة، وإنما المحذور كل المحذور في إنكار صفة الخلق عن القرآن، وإعطائه صفة القديم تعالى، فتفطن لهذا المقام)
(2)
وقد أوضح الإمام نورالدين السالمي رأي إباضية المشرق في هذه القضية بقوله: «أما أصحابنا من أهل المشرق فأنهم وإن قالوا بقدم القرآن فليس المراد ما ذهبت إليه الأشعرية، للإختلاف الواقع بين أصحابنا وبين الأشعرية في الصفات الذاتية، فلا يصح أن تجتمع مذاهبهم في هذه القضية، لكن لما كان الكلام صفة من الصفات الذاتية، وقد سمى الرب عز وجل القرآن كلامه منعوا إطلاق أسم الخلق على القرآن لئلا يتوهم أن الكلام الذاتى مخلوق، يدلك على ذلك أعترافهم بخلق ما بين الدفتين وقواعدهم ان صفات الذات معان اعتبارية وأن مدلولها عين الذات العلية.
إن السبب الذي دعا القائلين بخلق القرآن إلى القول بخلقه هو إيمانهم بالتوحيد، واعتقادهم أن وصف الله تعالى بصفات قديمة قائمة به، يفضي إلى القول بتعدد القدماء.
لذلك ذهب الإباضية إلى أن الصفات الذاتية كالعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام هي عين ذاته وليست معاني حقيقية قديمة مع الذات العلية فقالوا: «إن الله عالم بذاته وحي بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة هي صفات قديمة ومعان قديمة به، لأنه لو شاركته هذه الصفات في القدم لشاركته في الألوهية، لذا أتفقوا على أن القرآن هو قول الله وكلامه ووحيه وتنزيله. إلا أنهم قالوا: بأن كلام الله غير الله، وان كل ما هو غير الله فهو مخلوق ومحدث في محل، ومن قال بقدم الكلام قد يؤدي به إلى القول بتعدد القدماء، وتعدد القدماء قد يؤدي إلى اعتبار شريك مع الله … !
(1) أبي عبد الله محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي (2) ر: - تحفة الأعيان. ج 1، ص 157.
روض البيان على فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القُرآن - 11