روض البيان على فيض المنان
الجزء ١ · صفحة ٦٦فكست ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: تكلم. فسكت. ثم قال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن الله وجل حين أنزل القرآن على رسوله فقال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا (1). هل كان الله هو الصادق في إتمام دينه أو أنت الصادق في نقصانه حتى يقال بمقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ أجب يا أحمد. فلم يجب. ثم قال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن مقالتك هذه عَلِمَها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم جهلها؟ فقال ابن أبي دؤاد علمها. قال الشيخ: فدعا الناس إليها؟ فسكت ابن أبي دؤاد ثم قال الشيخ: أفيسع لرسول الله الله أنه علمها كما زعمت ولم يطالب أمته بها؟ قال نعم. قال الشيخ ويسع لأبي بكر وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - ومن بعدهما من الخلائف. قال ابن أبي دؤاد: نعم. فأعرض الشيخ عن أبن أبي دؤاد … إلى آخر القصة (3).
(2)
فسكوت ابن أبي داود هنا إنما هو إفحام، من حيث جبر الناس على القول بخلق القرآن، لأن ذلك لا يحلّ. نعم إذا ظهرت بدعة (4) القول بعدم خلقه والقول بقدمه فيكون منكراً يلزم القادر تغييره ويكون الجواب حينئذ عن سؤالات ذلك الشيخ، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم علم هذه المقالة، ولم يدع الناس إليها لعدم القول بخلافها في عصره، وكذا في عصر من بعده الله من الخلفاء، ولم يستر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمة شيئاً لا يسعهم جهله بل بيّن لهم ذلك أوضح البيان بنص القرآن، فقال عز وجل: خالق كل شيء. فإذا أقرت () الأمة بأن الله خالق كل شيء، لم يلزم الداعي إلى الدين تفصيل الأشياء المخلوقة شيئاً شيئاً حتى يقول لهم اعتقدوا ان القرآن مخلوق وان الأرض مخلوقه وأن السماء مخلوقة وهكذا إلى ما لا (6) نهاية له في طوق البشر. فإذا ظهر أن الدين كامل وأن القائلين بقدم غير الله عز وجل وبنفي الخلق عن بعض مخلوقاته خارجون عن كمال الدين لنقضهم الإجمال الذي كان في عصره صلى الله عليه وسلم فلو كان القرآن
(1) المائدة: 3.
(2) في حـ: «يا أحمد أيسع».
(3) ذكرت الرواية في مروج الذهب ج 4 ص 191. (4) البدعة: هو الأمر المحدث وما ابتدع من الدين بعد الإكمال ويراد بها كل ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنّة وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفاً في الذم وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، (د): النهاية ج 1، ص 107 - لسان العرب: مادة «بدع»).
(5) أقرت: انقادت واعترفت به ورضيته وأثبتته.
(1) - حـ.
روض البيان على فيض المنان في الرد على من أدعى قدم القُرآن - 58