روض البيان على فيض المنان
الجزء ١ · صفحة ٧٥قلنا: قد تقدم أن القرآن جسم ولو قدرنا أنه عرض لقلنا بأنه حال في غير
الذات العلية مما شاء الله من الأشياء ولا يلزم تأثير المحل فيه لأن كثيراً من الأشياء يحل فيها غيرها ولا تؤثر فيه كسبا، ولو قدرنا أنها مؤثرة فيه، فلا يمنع تأثيرها فيه من تسمية كلام الله وإنما لم يسم الشعر كلام الله لأنه من الأشياء التي يتعالى الله عن الإتصاف بها فسقط استدلالهم من كل وجه
الأدلة النقلية
وأما استدلالهم النقلي فمن وجوه أحدها قوله تعالى: إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (1) (2). قالوا: فقد أخبرنا عز وجل أنه إذا أراد كون شيء قال له «كن»، فالأشياء مخلوقة بكن، وهي من كلام الله الذي نزل في القرآن فالأشياء مخلوقة بها وهي شيء أيضاً. فلو كانت مخلوقة لاحتاجت إلى «كن» أخرى فيتسلسل أو يدور ولكل محال.
قلنا: ليس المراد من الآية لفظ «كن» وإنما المراد (3) التعبير بها عن نفوذ إرادته تعالى وسرعة إنفعال الأشياء لها. والعرب تعبر بهذه اللفظة عن هذا المعنى، فيقولون - إذا أرادوا التعبير عمن لا يراد أمره إذا قال للشيء كن يكون». ولو سلمنا أن ذلك المقول لفظ لما لزم ما ذكروه، لكثرة وجود إخراج الخاص من العام فنقول: إن المخلوق بلفظ «كن» هو ما عداها وأما هي فمخلوقة بدون لفظ «كن» ودليل هذا التخصيص
-
هو ما ذكروه من لزوم التسلسل أو الدور وكفى بكل واحد منهما مخصصا. ومنها قوله تعالى: الرحمن علم القرآن خلق الإنسان (4). قالوا: وصف الإنسان بالخلق ووصف القرآن بالتعليم فدل اختلاف الوصفين على أن القرآن غير مخلوق إذ لو كان مخلوقاً لقال خلق القرآن والإنسان والسكوت على هذه عين الجواب كيف يلزم اختلاف الوصفين اختلاف الحكمين فهذه الحيوانات في غالب صفاتها مخالفة لهذه الجمادات وهذه النباتات، فهل هي جميعاً مشتركة في كونها
(1) استدل في ب و حـ: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) يس: 82. (2) النحل: 40.
- (~)
(4) الرحمن: 1 - 3.
روض البيان على فيض المنان في الرد على من أدعى قدم القُرآن - 67 -