روض البيان على فيض المنان
الجزء ١ · صفحة ٨٧فعمد يا إخوتي إلى كلام الله ونوره وضيائه الذي خرج منه وإليه يعود، فجعله مخلوقاً، فعظمت مصيبتي يا إخوتي في القرآن العظيم والذكر الحكيم الذي خرج منه وإليه يعود، فأي مصيبة أعظم من هذه، فجعله مخلوقاً وأي بلية أعظم منها؟ فكأن الله قبل خلقه كان غير عالم وغير متكلم. يوصفوه بصفات العجز والحدث والحاجة والخلق فجئتكم يا إخوتي أشكو إلى الله تعالى وإليكم هذه المصيبة العظيمة والبليّة الفادحة، ولقد أمرتكم يا إخوتي قبل هذا أن اعتزل مجالسهم حتى لا نسمع كلامهم، وننتبذ ناحية في المسجد، فاستجاب القوم بالبكاء من كل ناحية، فقال بعضهم لبعض: قد وجب علينا جهاد هؤلاء القوم، ولنرجع إلى ما كنا عنه ننهى أول مرة، وقد حوجونا إلى ذلك
بعض
(1)
وقال بعضهم: إنما اعتزلناهم مخافة أن نقع فيما وقعوا فيه، وكي نحيي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما كذا أبيتم فلا حاجة لنا إليكم. فتبرأ الفريقان بعضهم من. وعمد الذين أرادوا منابذة القوم، فقالوا: لابد لنا من مخالطتهم وغرضهم أن يقتبسوا من مناظرتهم وحيلهم في جدالهم، فيرجعوا بها إليهم ويحاجوهم، فذهب بعضهم إلى المتكلمين، فكان آخر العهد بهم، وبعضهم إلى القدرية (2)، فذهبوا بهم وبعضهم إلى حلقة حماد بن أبي حنيفة، فتفرقوا على الحلق، ومكثوا فيها برهة (3). وذهب كل فرقة بمن صار إليها وحصل عندها فاختلفوا آخر الأبد ولم يجتمع منهم أحد مع صاحبه إلا ما كان من أبي الحسن الأشعري) وهو الذي عقب وصار إمام الأشعرية، ثم أبو بكر بن الطيب (0) (4)
بعده
(1) في ب، حـ (من بعضهم بعض). (2) القدرية: فرقة إسلامية أكثرت من الحديث حول القدر وقالت بحرية الإنسان وقد أفعاله ظهرت في الشام والعراق وكان على رأسها معبد الجهني وغيلان الدمشقي، ويسمى المعتزلة أحياناً بالقدرية. ر: مقالات الإسلاميين ج 1 ص 10، 298. الكشف والبيان ج 2، ص 327. (3) برهة: فترة من الزمن. (4) أبي الحسن علي بن اسماعيل بن بشر بن إسحاق ينتهي نسبة إلى أبي موسى الأشعري (260 - 324) ولد بالبصرة وإليه تنسب الطائفة الأشعرية وكان في البدء معتزليا ثم رجع عن قولهم وله مصنفات عدة منها: اللمع والموجز والتبيين عن أصول الدين. ر: وفيات الأعيان ج 2، ص 446. الفهرست: ص 181 (5) أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت: 403)، قاض ومتكلم أشعري من كبار علماء الكلام، ولد في البصرة وسكن بغداد كان سريع الجواب وجهه عضد الدولة سفيراً عنه إلى ملك الروم في القسطنطينية فجرت له مناظرات بين يدي الملك من علماء النصرانية. من كتبه: إعجاز القرآن الإنصاف، مناقب الأئمة، وتمهيد الدلائل والملل والنحل. ر: وفيات الأعيان ج 3، ص 400.
روض البيان على فيض المنان في الرد على من أدعى قِدَم القُرآن - 179