سمر أسرة مسلمة لعلي معمر موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٥بحواسَّ محدودةٍ، وهناك أشياء سبقته، فهو لا يعرفها، وهناك أشياء كثيرة ستحدث بعده، فهو أيضا لا يعرفها. أمَّا الأشياء التي كانت في زمانه فإنَّه يعرف منها ما اتَّصل بإحدى حواسِّه.
قال الأب: أحسنت يا ولدي، فلقد أجبت بعين الصواب؛ فإنَّ علم الإنسان مهما كان واسعا يسبقه جهل كثير، ويَعقُبُه جهل كثير، ويكْتَنِفُه(1) جهل كثير. ولكن ألا ترى أنَّه قد تكون هناك مخلوقات سمعتَ عنها أو لم تسمع عنها هي أطول أعمارا من الإنسان، وأكثر علما.
قال نجيب: هذا جائز، ولكنَّني أعتقد أنَّ الفرق بين علم الإنسان وعلم تلك المخلوقات في الكمِّ فقط، فقد يكون علمها أوسعَ، ومعارفُها أغزر، وأعمارُهَا أطولَ، إلاَّ أنَّها محدودة بالبداية والنهاية، والزمان والمكان، وجَهْلِ ما لم يُتَحْ لها الاطِّلاع عليه.
قال الأب: كأنَّك تريد أن تشير إلى الفرق بين علم الخالق وعلم المخلوق.
قال نجيب: يبدو لي يا أبي أنَّ معارف المخلوق لا تستحقُّ أن توصف بأنَّها علم إلاَّ على المجاز.
قال الأب: توصف معارف الإنسان بالعلم كما توصف الأشياء التي مرَّت عليها أزمنة طويلة بأنَّها قديمة، وكما توصف الأشياء المتينة التي تتحمَّل أعباء السنين، وتقاوم الاستهلاك لمدَّة أطول، بأنَّها باقية.
قال نجيب: وقد تحقَّقنا أنَّ المخلوقات الباقية مهما امتدَّ بها الزمن منتهية إلى الفناء، وأنَّ علم المخلوق مهما عظم واتَّسع محدود بالجهل في بدئه ونهايته، مكتنف به من جميع جهاته.
قال الأب: ومعنى هذا أنَّ الله سبحانه وتعالى قديم ليس له أوَّليَّة، باق ليس له آخريَّة، عليم بما كان وما يكون وما هو كائن، {عَالِمُ الْغَيْبِ
(1) / يكْتَنِفُه جهل: أي يحيط به ويَغمُره.