شرح غاية المراد في الاعتقاد (عبدالله بن سعيد القنوبي) عبد الله بن سعيد القنوبي أبو البراء

شرح غاية المراد لعبد الله القنوبي

الجزء ١ · صفحة ١٣

أ- فذهب أصحابنا - رضي الله عنهم - إلى عدم عذرهم وأنهم مكلفون بالتوحيد ، وأدلتهم هي : 1 -قوله تعالى ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فيهَا نَذِيرٌ ﴾(1) ، قالوا : هؤلاء وإن لم يرسل إليهم رسول بعينه فرسالة عيسى - عليه السلام - تشملهم .

2-على فرض عدم الرسول فوجود الخالق يكون بالعقل .

3-وجود الحنفاء دليل على بقاء الدين ، فمنهم من كان يعبد الله - عز وجل - على دين عيسى - عليه السلام - ، ومنهم على دين موسى - عليه السلام - ، ومنهم من كان على دين إبراهيم الخليل - عليه السلام - ، وقد وجد من هؤلاء الحنفاء حتى ولادته - صلى الله عليه وسلم - : ورقة بن نوفل ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، وقس بن ساعدة الإيادي ، وغيرهم ممن أقر بالوحدانية وعبد الله - عز وجل - .

كذلك جاء عن العرب ما يدل على إقرارهم بالله واليوم الآخر ، وقد جاء ذلك في

شعرهم ونثرهم ، ومنها خطبة قس بن ساعدة الشهيرة(2) .

(1) فاطر / 24

(2) قال فيها : (يا أيها الناس استمعوا واسمعوا وعوا ، كل من عاش مات ، وكل من مات فات ، وكل ما هو آت آت ، ليل داجٍ ، وسما ءذات أبراج ، ونجوم تزهر ، وبحار تزخر ، وجبال مرسية ، وأنهار مجرية ، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا ، ما لي أرى الناس يموتون ولا يرجعون ، أرضوا بالإقامة فأقاموا ، أم تركوا فناموا ، أقسم قس قسماً بالله لا آثم فيه ، إن لله ديناَ هو أرضى مما أنتم عليه ) ، ثم أنشأ يقول :

في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر

لما رأيت موارداً للموت ليس لها مصادر

ورأيت قومي نحوها يمضي الأكابر والأصاغر

لا يرجع الماضي إليَّ ولا من الباقين غابر

أيقنت أني لا محا لة حيث صار القوم صائر

ومن شعرهم قول زيد بن عمرو بن نفيل :

وأسلت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخراً ثقالاً

دحاها فلما استوت شدها سواء وأرسى عليها الجبالا

وأسلت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذباً زلالا

إذا هي سيقت إلى بلدة أطاعت فصبت عليها سجالا

وأسلت وجهي لمن أسلمت له الريح تُصرف حالاً فحالا

ومن شعرهم قول زهير بن أبي سلمى :

-فلا تكتمنَّ الله ما في نفوسكم ليخفى ومهما يُكتم الله يعلم

يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب ثم يُعجل فينقم

-وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غدٍ عمي

بل أقر بعضهم ببعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو تبع الملك اليماني ؛ حيث يقول :

شهدت على أحمدٍ أنه نبي من الله باري النَّسمْ

فلو مُدَّ عمري إلى عمره لكنت وزيراً له وابن عمْ

وجاهدت بالسيف أعداءه وفرجت عن صدره كل همّْ

وغيرها كثير جداً في خطبهم وأشعارهم .

١٣ / ٨٩