شرح غاية المراد لعبد الله القنوبي
الجزء ١ · صفحة ٤٤3-روى مسلم بسنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " هل تدرون ما الإيمان بالله ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : " شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وأن تؤدوا خمساً من المغنم "(1) ، فقد فسر - صلى الله عليه وسلم - الإيمان بأركان الإسلام ، فدل على اتحاد الإيمان والإسلام في المعنى الشرعي .
وذهبت الأشاعرة إلى أن الإسلام ليس هو الإيمان ، فالإسلام عندهم في الظاهر الاستسلام بدون التعمق في الدين ، أما الإيمان فهو التعمق الشديد ، وهو أعلى مرتبة من الإسلام ، واستدلوا بأدلة منها:
1-قوله تعالى ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبكُمْ ﴾(2) فنفى الله عز وجل عنهم الإيمان الحقيقي ، وأثبت لهم الإسلام الشكلي الظاهري ، فهم مسلمون وليسوا بمؤمنين ، فالفرق واضح.
الرد عليهم:
بأن الآية لا دليل فيها على التفريق بين الإسلام والإيمان؛ لأنها نزلت في شأن جماعة من الأعراب زعموا الإيمان بألسنتهم ولم يتمكن من قلوبهم ، فهم في الحقيقة ليسوا بمسلمين ولا مؤمنين ، وإنما سماهم الله مسلمين تسميه لغوية ؛ لأن الإسلام في اللغة الاستسلام ، فهم في الظاهر مستسلمون ، ولكنهم لم يجمعوا بين القول والعمل، وهذا هو النفاق والعياذ بالله(3) .
(1) رواة مسلم – كتاب الإيمان – باب 6 – رقم ( 24 ) .
(2) الحجرات / 14
(3) … استعمال الاصطلاحات اللغوية في القرآن الكريم كثيرة ، منها :
1-قوله تعالى على لسان مريم : ( إني نذرت للرحمن صوماً ) أي امتناعاً عن الكلام ، فهو صوم لغوي وليس شرعياً .
2-وقد سمى الله الزراع كفاراً ؛ لأن الكفر بمعنى الستر ، فالزُرّاع سموا كفاراً لأنهم يسترون الحب في التراب ، قال تعالى : ( كمثل غيث أعجب الكفار نباته ) أي الزراع ، والأمثلة كثيرة في ذلك .