شرح غاية المراد في الاعتقاد (عبدالله بن سعيد القنوبي) عبد الله بن سعيد القنوبي أبو البراء

شرح غاية المراد لعبد الله القنوبي

الجزء ١ · صفحة ٧٨

أما كون هذه اللحوم تُصدَّر إلى البلاد الإسلامية فهو لا يعطي حكماً بالإباحة ، فإن بلاد الإسلام يُصدَّر إليها لحم الخنزير والخمور ، فهل يقال بأن تصديرها إليها يقتضي تحليلها – سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم – وإنما هذه المجادلات من شأن أولئك الذين أعمى الله بصائرهم وطمس عقولهم فلا هم لهم إلا في جر غيرهم إلى الضلال ﴿ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أنى يُؤْفَكُونَ ﴾(1) . اهـ

أحكام المشركين

64-والمشرِكون ذوُوا الأوثانِ ليس لهمْ … ... سلامةٌ غَيرَ إن دانوا بمِا نَزَلا

الشرح :

المشرك سواء كان يعبد الأصنام أوكان ملحداً أو وجودياً أو شيوعياً فهؤلاء حكمهم:

1- بأن يُدعوا إلى الإسلام فإن استجابوا فلهم حقوق المسلمين .

2- وإن رفضوا فليس لهم إلا القتل ، وهذا هو الفرق بين أهل الكتاب والمشركين ، فأهل الشرك لا يطلب منهم جزية وإنما الإسلام أو السيف ،والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ﴾(2) ، وقوله ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه ﴾(3) .

سؤال هام : هل انتشر الإسلام بالسيف ؟(4)

(1) المنافقون / 4

(2) االتوبة / 36

(3) الأنفال / 39

(4) حول هذه القضية سئل شيخنا أحمد الخليلي -حفظه الله السؤال الآتي :

س / هل يوجد فرق بين الآية الكريمة ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) والحديث الشريف ( أمرتُ أن قاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ) ألا يوجد تعارض بين الآية والحديث ؟

ج / لا تعارض بين الآية والحديث لأمرين :

-الأمر الأول : أن الآية الكريمة إنما نزلت في أهل الكتاب ، كما جاء في ذلك الروايات ، فقد كان بعض رجال قبيلتي الأوس والخزرج سلموا أولادهم إلى اليهود في أيام الجاهلية ، وقد تربى أولئك الأولاد على عقيدة اليهود ، وعندما أكرم الله سبحانه وتعالى الأوس والخزرج بالإسلام ، شق عليهم أن يكون أولادهم على تلكم العقيدة التي نشأوا عليها وهم في أحضان اليهود ، فأرادوا أن يجروهم إلى الإسلام فمنهم من رفض ذلك ، وأصر على البقاء على يهوديته ، وجاء أحد الآباء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له : يا رسول الله ، أيدخل بعضي النار ؟! يريد أن يَفرُض على ولده أن يدخل في الإسلام في دين الله تعالى ، فأنزل الله تعالى ( لا إكراه في الدين ) .

هذا السبب - وإن كان كما يقال : لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ إلا إنه اقترن بدلائل وشواهد من القرآن الكريم دلت على أن أهل الكتاب خاصة ، إن وافقوا على أن ينقادوا ويذعنوا للحكومة الإسلامية والدولة الإسلامية ، ورضوا بأن يؤدوا الجزية إلى المسلمين فهم في هذه الحالة يُتركون وما يعتقدون ، إكراماً لما بيدهم من بقايا هداية الله تعالى التي أنزلها على أنبيائهم ، فالله تبارك وتعالى يقول : ﴿ قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ ، ما قال : حتى يدخلوا في دين الله ،(حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) ، بينما قال في غيرهم : ( وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله ) ، فاتضح من هذا أن لأهل الكتاب حكماً خاصاً ، يختلفون فيه عن غيرهم ، ومن عداهم هم الذين يدخلون في ضمن مدلول الحديث الشريف ( أُمرت أن قاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ) .

] الأمر الثاني [ : وهناك احتمال آخر ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) أي لا يمكن للإنسان أن يكره أحداً فيغرس فيه الهداية غرساً ، ويحوله من حال إلى أخرى ؛ بحيث يتحول من الكفر إلى الإسلام ،إنما الله وحده الذي يهدي ، ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) ، ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) .

هنا قضية شغلت بال الناس كثيراً في العصور الأخيرة ، وحصل فيها الأخذ والرد ، وكانت فيها ردة فعل عند المسلمين مزرية بهم ، وهي قضية استعمال القوة في نشر الإسلام ، استعمال السيف في نشر الدعوة الإسلامية ، حصلت إشاعة عند المستشرقين الكفرة ، بأن دين الإسلام دين إرهاب ، دين قوة ، فهو يشيع الخوف بين الناس ، وتفرض عقيدته فرضاً على الناس ، تجر الجيوش الجرارة من أجل نشر هذه العقيدة ، فهو دين رهيب ، المسلمون أمام هذه التهمة وجد فيهم من ضعفت نفسه ، واستخذى وذل أمام هذا الاتهام ، وتمنى أن يجد ما يبرئه من هذا الاتهام .

بعد فترة من الوقت ظهر المستشرقون أنفسهم بنظرية أخرى ، وهو أن الدين الإسلامي دين سلام ، وأن الإسلام لا يُشرع فيه الجهاد فيه أبداً إلا لأجل الدفاع فحسب ، هذه النظرية جاء بها بعض المستشرقين كـ ( طومس أرنلد ) صاحب كتاب الدعوة إلى الإسلام ، وقد تلقفها أولئك الضعاف برحابة الصدور ، وظنوا أنهم وجدوا ضالتهم المنشودة ، وأن الإسلام بُرِّئَ من قبل المستشرقين أنفسهم مما نسبه إليه أسلافهم ، فأشاعوا هذه الفكرة ، وقد غلا بعض الناس فيها غلواً هدم قواعد الدين ، وعطل الأحكام الشرعية .

من بين هؤلاء رجل لا أريد أن أذكر اسمه ، لا يزال حياً إلى الآن ، ألقى محاضرة أمام حاكم من الحكام الذين ليسوا من الدين في شيء ، بل - تقريباً -كانوا محاربين للإسلام في كل شيء ، وأراد أن يتملق لذلك الحاكم ، فكانت المحاضرة قبل كل شيء كلها إطراء لذلك الحاكم ، لم يكن لله فيها نصيب ، وإنما كانت لحمد وتقديس ذلك المخلوق الضعيف ؛ الذي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ، فضلاً أن يملك ذلك لغيره ، ثم بعد ذلك قال تملقاً له وتقرباً إليه ، وكانت المحاضرة في جهاد ، قال تملقاً إليه وتقرباً - : بأن الإسلام لم يشرع الجهاد قط إلا لتأمين حريات الناس في ومعتقداتهم وسلوكهم .

ولئن كان الإسلام - كما قال - يأمن حريات الناس في ومعتقداتهم وفي سلوكهم ، فمعنى ذلك لا جناح على أحد إن سرق ، ولا جناح على أحد إن زنى ، ولا جناح على أحد إن فعل أي كبيرة من الكبائر ، كيف وللإنسان حرية مطلقة حسب زعم هذا الرجل في ظل الإسلام وفي شرع الإسلام ، يأتي ما يشاء ويفعل ما يشاء ، ويتصرف كما يشاء ، لا يحكم بحكم من قبل الله ، ومعنى ذلك تعطيلاً لشريعة الله تبارك وتعالى ، فإذا لماذا شرعت الحدود ؟! لماذا جاء قول الله تبارك وتعالى ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة ي دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) ؟! ولماذا شرع الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إذا كان لكل أحد حريته المطلقة في سلوكه ، يتصرف كيف يشاء ، يفعل ما شاء ويترك ما يشاء ، فلماذا التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر ، الله تبارك وتعالى يقول : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) ؛ ويقول سبحانه وتعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) .

ولئن كان الإسلام يأمن حرية الإنسان في سلوكه كما يزعمون ، فمعنى ذلك إذن أن الدعوة ينبغي أن لا تكون ، لأن دعوة الكافر إلى الإسلام تزعجه ، فهو حر في معتقده ولا ينبغي أن يزعج ، ودعوة الفسق إلى الاستقامة أيضاً تزعجه ، فينبغي أن يوفر له المناخ الحر ؛ الذي يمارس فيه هوايته ، سواء كانت هذه الهواية زنىً أو قذفاً للمحصنات ، أو أي منكر من المنكرات : كشرب خمر ، وكدعارة ، أو كانت أي شيء ، هكذا يصنع أولئك الذين يتقربون إلى البشر ، على حساب تقربهم إلى سبحانه وتعالى ، يؤثرون مرضاة البشر على مرضاة الله عزوجل ، يصدرون الفتاوى الباطلة والأقوال التي لا تنبني على دليل من حكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم ، يحلون ما حرم الله ، ويحرمون ما أحل الله ، لمجرد اتباعهم لرضا فلان أو رضا فلان ، يؤثرون رضوان البشر على رضوان الله تعالى ، = فهؤلاء هم الأئمة الضالون المضلون الذين جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن أخوف ما أخاف على أمتي أئمة ضالون مضلون واقفون على أبواب جهنم ، يدعون كل من أجابهم إليها قذفوه فيها ) هؤلاء لا يبالون أن يحرموا أي شيء أحله الله ، بل لعلهم يقولون فيما فرض الله بأنه حرام ، يمنعون الناس مما أوجب الله تبارك وتعالى عليهم من قيود الأخلاق وقيود الفضيلة ؛ لأجل محاباة الناس ولأجل كسب رضا الناس ، وفي نفس الوقت يبيحون ما حرم الله تبارك وتعالى .

وعلى أي حال نحن نقول : بأن الإسلام انتشر بالإقناع ، فإن كل عقيدة تفرض بالقوة فرضاً لا بد من أن تتلاشى إذا تلاشت تلك القوة ، ولا أدل على ذلك مما حصل في البلاد الشيوعية ، فعندما تلاشت القوة التي كانت مهيمنة تلاشت الشيوعية نفسها ، ولكن الإسلام دين الفطرة ، فإن النفوس نفسها عندما ينجلي صداها تدرك أن الحق في الإسلام ، وأن الخير في الإسلام ، ولكن لا بد من قوة تحفظ سير هذا الإسلام ومده ، لا بد من قوة تذلل العقاب بين يديه ، ولذلك شرع الله تعالى ما شرع من الجهاد في سبيله من أجل نشر دينه ، والصحابة الذين انطلقوا في أرجاء الأرض ينشرون دعوة الله سبحانه وتعالى ما كانوا يصدون بذلك هجوماً من أعداء الإسلام عليهم ، ولكنهم يكتسحون القوى ؛ التي كانت تقف في طريقهم حتى لا ينتشر الإسلام في أرجاء الأرض ، كانوا بهذا الصنيع يكتسحون القوى ، وإلا فما كان الداعي لأحد من المسلمين عندما وصل إلى المحيط أن يخوض عباب المحيط بقوائم فرسه ، ويخاطب المحيط : والله لو علمت أن أرضاً وراءك لخضتك مجاهداً في سبيل الله ، ما كان الداعي لذلك ، هل كان بهذا يصد هجوماً جاء من هناك من قبل أعداء الله ؟! أو أنه يريد أن يذلل الصعاب ، وأن يُطأطِأ العقاب ، حتى يمتد نور هذا الدين إلى أرجاء الأرض .

أما بعد أن يطوَّح بالجبارين الذين يحولون بين الناس بين الإسلام ، فالناس يعاملون كما أمر الله ، الناس إما أن يكونوا أهل الكتاب ، وإما أن يكونوا غيرهم ، فتقام الحجة على الجميع ، ولكن أهل الكتاب إن لم يؤمنوا فليدفعوا الجزية ويتركون وشأنهم .

٧٨ / ٨٩