علم الفرق الإسلامية (مقدمات منهجية) مصطفى بن محمد شريفي

علم الفرق الإسلامية لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ١١

والمعمرية والجاحظية. والواقع أَنَّ الإِبَاضِيَّة برءاء من الخوارج، ولم يعرفوا في تاريخهم انقساما إلى أيِّ فرقة من المذكورة، ولا يعترف المعتزلة بما ذُكر من فرق منسوبة إليها، وَإِنَّمَا اعترفوا بتوجهين هما: معتزلة البصرة، ومعتزلة بغداد …

والذي دفع كتَّاب المقالات إلى هَذِهِ التقسيمات أمران: أَوَّلهما: اعتمادهم عَلَى حديث الافتراق، والتسليم بِصِحَّته، والبحث عن فرق ـ وإن كانت وهمية ـ للوصول بعددها إلى الثلاث والسبعين. ثانيهما: «تصوير الفرق غير السُّنِّيَّة بصورة الأشتات المتفرقة».

- الخلط بين المقالة والفرقة، فقد تكون هنالك فكرة رائجة بين أناس ذوي اتِّجَاهات أو مذاهب مختلفة، وَلَكِنَّهُم لم يشكِّلوا فرقة متميزة، ومع ذَلِكَ يعدُّونها في الفرق؛ لِذَلِكَ نجدهم يَتَحَدَّثُون عن مرجئة السُّنَّة ومرجئة الشيعة، سلفية السُّنَّة وسلفية الشيعة، وجبرية السُّنَّة وجبرية الخوارج …

- لم يكن تقسيم الفرق عَلَى حقيقتها في الواقع، وَإِنَّمَا بناء عَلَى قناعات الْمُصَنِّف ومنهجه، مثال ذَلِكَ أَنَّ الملطي قسَّم الجهمية إلى ثماني فرق، بينما اعتبرها البغدادي فرقة واحدة.

ولا يخفى عَلَى أحد ما تولَّد عن هَذِهِ المعايب من آثار وخيمة عَلَى الأُمَّة الإِسلاَمِيَّة، مِمَّا زاد في تشتُّتها، وتباعد الأشقاء، على الرغم من أَنَّ الخلافات بين الفرق والمذاهب هي في حقيقة الأمر تعود في أغلبها إِمَّا إلى سوء الفهم، أو الثقة في المرجع المعتمد رغم بعده عن الصواب، أو هي خلافات فرعية، أو لُغَوِيَّة أو سِيَاسِيَّة، وليست في الأصول.

علم الفرق بين القديم والحديث:

إذا كان للقدامى بعض العذر في السلبيات المذكورة أعلاه، نظرا لقلة الوسائل، وصعوبة الحصول على المصادر، وللتأثر بالبيئة المشحونة بالتقليد والتعصب، فهل بقي للمعاصرين عذر في الانسياق وراء مناهج القدامى التقليدية رغم ارتفاع كُلِّ تلك الأعذار؟ كسهولة الاتصال، ووفرة المعلومات من مصدرها، فضلا عن أَنَّ تحديات الواقع المعيش والمستقبلي مختلفة عنها في الماضي، وتقتضي مِنَّا العمل عَلَى «النظر إلى الموضوع من زاوية أخرى، وفق ما يمليه البحث الموضوعي، الذي يتجلى فيه المحتوى العلمي للتقوى، مِمَّا يستدعي الحيطة والحذر في إصدار الأحكام، والعمل عَلَى جمع كلمة المسلمين في مواجهة التحديات الآنية والمستقبلية»(1).

وأضاف الدكتور جيدل أَنَّ الطريقة التقليدية في تناول الفرق هي أخذ المعلومات من مصادر المذهب المخالف (سواء الْكَلاَمِيَّة أم كتب المقالات)، ودعا إلى تجاوز هَذِهِ السلبية بما يأتي:

- التفريق بين علم الكلام وعلم الفرق، فلا تؤخذ آراء فرقة ما من خلال المصادر الْكَلاَمِيَّة المخالفة للفرقة المدروسة.

- الاعتماد على أُمَّهَات الكتب لدى كُلِّ فرقة نود دراستها مباشرة، ولا يسوغ الاعتماد على المراجع

(1) جيدل: مدخل، ص19.

١٢ / ٣٨