علم الفرق الإسلامية (مقدمات منهجية) مصطفى بن محمد شريفي

علم الفرق الإسلامية لمصطفى شريفي

الجزء ١ · صفحة ١٩

والشهادَة فِي وقت يَشقُّ ذَلِكَ عَلَيهِما»(1). وَأَمَّا الاشتراك من جهة التركيب، فكقوله تَعَالىَ: ﴿ … وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ (سورة النساء: 127)، فهل معناه ترغبون فِي نكاحهن لِمَالِهنَّ. أم ترغبون عن نكاحهن لدمامتهن وقلة مَالِهنَّ؟. ومن الاشتراك قَوله تَعَالىَ: ﴿وَإِن مِّنكُمُ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ (سورة مريم: 71)، فالورود لغةً مشترك بين المشارفة والدخول؛ لِذَلِكَ اختلفت الفرق في تفسيرها(2).

2 - الحقيقَة والْمَجاز: كما في قَوله تَعَالىَ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (سورة سبأ: 33)، أي: مكركم بالليل والنهار. وكالأمر إذا ورد بصيغة الخبر، والمدح بصورة الذم … وفي القُرْآن الكريم +ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ" (آل عمران: 7)، فكان الاختلاف بين المسلمين في فهم بَعض تلك الآيات المتشابهات(3)، كالألفاظ الموهمة تشبيه الله تعالى بخلقه (إما بالجوارح، أو الحلول في مكان، أو المشابهة في بعض الأفعال … )، والتي تبدو لبادي الرأي أنها مناقضة لقوله تعالى: +لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" (الشورى: 11). فأنكر السَّلَفِيَّة(4) المجاز في القرآن الكريم، لاسيما تلك الألفاظ الموهمة للتشبيه، وسمَّوها صفات خبريَّة يجب الإيمان بها، وإمرارها عَلَى حقيقتها، دون تحريف أو تأويل أو تعطيل أو تشبيه(5). بينما ذهب المعتزلة وَالإِبَاضِيَّة والأشاعرة والماتريدية والفلاسفة والباطنية (الإسماعيلية أساسا)(6) إلى تأويلها بما يوافق تنزيه الله تَعَالىَ وكماله ويوافق الكلام العربي الذي نزل به القرآن الكريم، ونطقت به السُّنَّة الشريفة. وكالآيات المتعلقة بفعل الله وفعل الإِنسَان، ومشيئة الله ومشيئة الإِنسَان … فحاول بعض العلماء التوفيق بينها بالتأويل، بينما سكت آخرون(7). هَذَا فضلا عن تأويل الْمُتَكَلِّمِينَ لأغلب ما لا يتوافق مع مذهبهم، في أغلب المسائل الْكَلاَمِيَّة الخلافية. وتفاوتت مراتب

(1) السالمي: معارج الآمال، 1/ 5. (الشاملة).

(2) ينظر: السالمي: بهجة الأنوار، 129 - 131.

(3) ينظر: ابن خلدون: الْمُقَدِّمَة، 463 - 464. وما ذكرناه عن الآيات المتشابهات يصلح للأحاديث النبوية أيضا؛ غير أن كثيرا منها ليست موضع اتفاق على صحتها بين الفرق الإسلامية، وإنما ركزنا على القرآن الكريم لأن الكلَّ مُجمِع على الإيمان به، والإيقان بصحة نصوصه جملة وتفصيلا، ويُفترض أن لا يختلفوا بشأنه.

(4) قلت: السَّلَفِيَّة، أي الحنابلة وأهل الحديث (منهم: ابن تيمية، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوَهَّاب وابن باز وابن عثيمين والفوزان … )، ولم أقل «السلف» مع أَنَّ أغلب الكتَّاب تناقلوا مقولة أَنَّ السلف كانوا لا يؤوِّلون؛ ذَلِكَ لأَنَّ هَذِهِ الدعوى غير دقيقة، فقد ثبت بما لايدع مجالا للشك أَنَّ منهم من أوَّل. ينظر عَلَى سبيل المثال: القرضاوي يوسف: فصول في العقيدة بين السلف والخلف (آيات وأحاديث الصفات، الأولياء وكراماتهم، القبور ومبتدعاتها، التوسُّل)، مكتبة وهبة، القاهرة، مصر، ط2، 1427هـ/2006م، ص84 - 86.

(5) يزعم البعض أَنَّ السكوت والتفويض (وهو مذهب عَامَّة السلف) أسلم. غير أَنَّ هَذِهِ السلامة غير مسلَّم بها؛ لِمَا قد يستلزمه مذهبهم من تشبيه الله تَعَالىَ بخلقه، رغم الاحترازات التي يسوقونها بقولهم: «من غير تكييف ولا تشبيه … »؛ إذ العبارة في نفسها تحمل الإقرار بهذا الاستلزام. فضلا عن أَنَّ قولهم: «بلا كيف» هو نوع من التأويل بالضرورة؛ لأَنَّ قولهم: «يد حقيقية»، «استواء حقيقي»، «نزول حقيقي» يتناقض مع نفي التكييف.

(6) بالغ الشيعة في تأويل نصوص القرآن وَالسُّنَّة، لإثبات الوَصِيَّة لعلي كرم الله وجهه؛ حَتَّى إِنَّهُ ليخيَّل للمرء أَنَّهَا أهم قَضِيَّة في القرآن. ينظر: عبد الجواد ياسين: السلطة في الإِسلاَمِ، ص347.

(7) ينظر: أحمد أمين: ضحى الإسلام، 3/ 15 - 17.

٢٠ / ٣٨